تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٨ - المسألة الثالثة
و الثالثة: إنّ ورود الأمر بالتكليف إما لفائدة، أو لا لفائدة؛ فإن كان الأول فهي عائدة إلى المعبود، او إلى العابد؛ و الأول محال، لأنه كامل الذات بذاته لا بغيره، و إن كان الثاني فهي إما عاجلة أو آجلة؛ و الأول باطل، لان التكاليف كلها مشاقّ و آلام في الدنيا؛ و الثاني عبث، لان جميع الفوائد محصورة في دفع الألم و حصول اللذة، و اللّه قادر على تحصيلهما للعبد ابتداء من غير توسيط العبادة و المشقّة، فيكون توسيطها عبثا، و هو ممتنع على الحكيم، و كذلك حكم الشقّ الثاني.
و الرابعة: إنّ العبد غير موجد لأفعاله، لما تقرّر أن المؤثّر في الوجود هو اللّه، و لأن العبد غير عالم بتفاصيل ما يفعله، و من لا يعلم شيئا بتفاصيله لا يكون موجدا له، فالأمر له بذلك تكليف بالممتنع و هو محال.
و لكن من هذه الشبه جواب تحقيقي عقلي مذكور في طيّ مسائل أخرى سابقة، فعليك باستخراجه؛ و الأشاعرة أجابوا عن الكل بأنه يحسن عندنا من اللّه كلّ شيء سواء كان تكليفا بما لا يطاق او غيره، لأنه خالق مالك، و المالك يتصرف في عبده حيث يشاء، و لا اعتراض لأحد عليه في ملكه.
و أجيب أيضا بأن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكليف، فهذا تكليف بعدم التكليف و إنّه متناقض.
الخامسة: إنّ المقصود من التكليف إنما هي تطهير القلب- على ما دلّت عليه ظواهر القرآن- فلو قدّرنا إنسانا مشتغل القلب دائما باللّه تعالى بحيث لو اشتغل بهذه التكاليف الظاهرة لصار ذلك عائقا له عن استغراق في معرفة اللّه تعالى، وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة، فإن الفقهاء القياسيّين قالوا: إذا لاح المقصود و الحكمة في التكاليف وجب اتّباع الحكم المعقول، لا اتّباع الظواهر.
و الجواب عنه أن المقصود من التكليف و إن كان تطهير القلب و جلائه لتجلّي صورة المعرفة الإلهيّة إلّا أنّ الإنسان لا سبيل له إلى ذلك إلّا بسبق أفعال و أعمال دينيّة توجب ذلك، و كل أحد نفسه مغمورة في أول الكون في عمق بحر الطبائع، والجة في غياهب ظلمات الدنيا، مغشّاة بأغشية الحجب الجسمانيّة،