تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) الآيات ٢١ الى ٢٢
الغيبة إلى مواجهة المقال يؤثّر في قلبه ما لا يؤثّر فيه استمرارك على لفظ الغيبة.
و منها: كأنّه تعالى يقول: إنّي قد جعلت واسطة بيني و بينك أوّلا، و الآن أزيد في إكرامك و تقريبك، فاخاطبك من غير واسطة ليحصل لك مع التنبيه على الأدلّة شرف المخاطبة و المكالمة، و فيه إشعار بأنّه لنفوذ نوره و رحمته أقرب من كل قريب بالشخص- و إن كان الشخص بعيدا منه لحجابه.
و منها: إنّه مشعر بأن العبد إذا اشتغل بالعبادة زاد قربا و حضورا و أنسا و حبورا، و ذلك لوقوع الانتقال من الغيبة إلى الخطاب.
و منها: إن في العبادة كلفة و مشقّة فلا بدّ من راحة، و هي تحصل بأن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين و يخاطبهم بذاته و يقول: «أريد منكم الخدمة» فيستطاب التكليف و تستلذّ العبودية.
و منها: ما لأهل الإشارة أن يقولوا في تحقيق ذلك، و هو إن اللّه يخاطب ناسي عهوده يوم الميثاق و الإقرار بربوبيّته و شهوده و معاهدته «أن لا تعبدوا إلا ايّاه» فخالفوا و نقضوا عهده و عبدوا الطواغيت من الأصنام و الدنيا و النفس و الهوى و الشيطان، فزلّ قدمهم عن جادة التوحيد، و وقعوا في ورطة الشرط و الهلاك. فبعث إليهم الرسول و كتب إليهم الكتاب، و أخبرهم عن حالهم و شكى عن فعالهم، ثمّ واجههم بالخطاب من الغيبة، و دعاهم إلى التوحيد و العبودية كفاحا لعلّهم يتقّون عن شرك عبادة الغير و يوفون بعهد الربوبيّة و ينجون من عذاب الدركات.
و ثالثها «يا» حرف وضع لنداء البعيد، و قد ينادى به القريب تنزيلا له منزلة البعيد، إما لعظمته- كقول الداعي: «يا ربّ» و «يا اللّه» و هو أقرب إليه من حبل الوريد- او لغفلته و سوء فهمه، او للاعتناء بالمدعوّ له و زيادة الحثّ عليه.
و هو مع المنادى جملة مفيدة لأنه نائب مناب فعل ك «أدعو» و نحوه [١]،
[١] لفظ النداء لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه (فخر الرازي: ١/ ٣٠٢).