تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) الآيات ٢١ الى ٢٢
من الأطفال و المجانين لأن حالهم أنزل من حال الحيوان غير المكلّف.
و يؤيّد ذلك ما روى عن ابن عباس [١] و الحسن: إن ما في القرآن من «يا أيّها الناس» فإنه نزل بمكّة، و ما فيه من «يا أيّها الذين آمنوا» فإنه ينزل بالمدينة.
و ذلك لا يوجب تخصيص الخطاب بالكفار و الجاهلين، و لا أمرهم بالعبادة دون غيرهم، فإنّ الأمر متوجّه إلى الكل ما داموا في دار التكليف لعدم خلوّهم عن نفس حيوانيّة حريّة للحمل و التكليف و الرياضة و التأديب- و إلّا لجمحت.
و المأمور به هو المشترك بين بدء العبادة و زيادتها و المواظبة عليها و أصلها و كيفيّتها، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة و الإقرار بالصانع، فإن من لوازم وجوب الشيء مطلقا وجوب ما لا يتمّ الواجب المطلق إلّا به و كان مقدورا، و كما إن تحقّق الحدث لا يمنع وجوب الصلوة، فالكفر لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب رفعه و الاشتغال بها عقيبه، و المطلوب من المؤمنين ازديادهم كمّا و كيفا فيها و ثباتهم و دوامهم عليها.
و ثانيها ان اللّه تعالى لمّا قدّم أحكام فرق المكلفين من المؤمنين و الكفّار و المنافقين و ذكر صفاتهم و أفعالهم البدنيّة و القلبيّة و مجاري أمورهم العاجليّة و الآجليّة أقبل عليهم بالخطاب، و هو من جملة الالتفات التي تورث الكلام رونقا و بهاء، و تزيد السامع هزة و نشاطا.
و ما يختصّ منه بهذا المقام من اللطائف انه كما انك تشكو من أحد- مخاطبا لصاحبك- «إن فلانا فعل كذا و كذا» ثمّ تتوجّه إليه مخاطبا ايّاه: «يا فلان ألزم الطريقة الحسنة، و اكتسب السيرة المرضيّة» فهذا الانتقال منك و الالتفات من
[١] مجمع البيان: ١/ ٦٠. و في تفسير البيضاوي و الفخر الرازي: عن علقمة و حسن، و في الكشاف (١/ ١٧٢): بلغنا بإسناد صحيح عن ابراهيم. عن علقمة: إن كل شيء نزل فيه «يا أيّها الناس» فهو مكّي ...