تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤ - إحداها
قوله جلّ اسمه: [سورة البقرة (٢): الآيات ١٧ الى ١٨]
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)
تحقيق الآية يستدعي تمهيد مقدّمات.
إحداها
هي إنّ العوالم متطابقة و انشأت متحاذية، نسبة الأعلى إلى الأدنى كنسبة الصافي إلى الكدر، و نسبة اللبّ إلى القشر. و نسبة الأعلى إلى الأدنى كنسبة الفرع إلى الأصل و نسبة الظلّ إلى الشخص و نسبة الشخص إلى الطبيعة و نسبة المثال إلى الحقيقة.
فكلّ ما في الدنيا فلا بدّ له في الآخرة من أصل، و إلّا لكان كسراب باطل و خيال عاطل، و كلّ ما في الآخرة فلا بدّ له في الدنيا من مثال، و إلّا لكان كمقدّمة بلا نتيجة و شجرة بلا ثمرة و علّة بلا معلول و جواد بلا جود، لأنّ الدنيا عالم الملك و الشهادة، و الآخرة من عالم الغيب و الملكوت، و لكلّ إنسان دنيا و آخرة، و اعنى بدنياك حالتك قبل الموت، و بآخرتك حالتك بعد الموت.
فدنياك و آخرتك من جملة أحوالك و درجاتك يسمّى القريب الداني منها دنيا و ما بعده المتأخّر آخرة، و كون الدنيا متقدّمة على الآخرة ليس بحسب الأمر في ذاته، بل بالإضافة إلينا من جهة إنّ الإنسان أول ما يحدث يكون في عالم الحسّ و الشهادة، ثمّ يتدرّج قليلا قليلا في قوّة الوجود، حتى ينتقل من هذا العالم إلى عالم الغيب و الآخرة عند قيامه.