تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٢ - إشارة قرآنية
السرائر و مكنونات الضمائر، فيجب أن يجتهد المرء في عمارة باطنه و تصفية سرّه عن الخبائث و الرذائل، و تنوير قلبه بأنوار العلوم و الطاعات، ثمّ تخلية البيت عن دخول ما سوى صاحبه.
قال سليمان بن علي لحميد الطويل [١]: «عظني». فقال: «إن كنت إذا عصيت اللّه خاليا ظننت إنّه يراك فقد اجترأت على أمر عظيم. و إن كنت ظننت إنّه لا يراك فقد كفرت».
و قال حاتم الأصمّ [٢]: «طهّر نفسك في ثلاثة أحوال: إذا كنت عاملا بالجوارح فاذكر نظر اللّه إليك، و إذا كنت قائلا فاذكر سمع اللّه إليك، و إذا كنت ساكنا عاملا بالضمير فاذكر علم اللّه بك، إذ هو يقول إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى [٤٦/ ٣٠].
الخامس: إنّ في الآية رجاء عظيما، فإنّ اللّه قد علم من عنايته من أول الأمر في حقّ الإنسان مع كونه أنزل خلق اللّه- حيث خلق من طين لازب و من ماء مهين و هما أدون الأجسام و أسفلها و أكدرها- لأنّه فضّله على الملائكة الذين هم من سكّان السموات و أعلى المكانات تفضّلا، و جعله مسجودا لهم تعظيما و تكريما، و يبعد من كرمه [و] جوده أن يكرم و يشرّف أبينا آدم عليه السّلام في أول الأمر، ثمّ يعذّب أولاده و يخزيهم في آخر الأمر.
السادس: إنّ في الآية دلالة على أن العبد يجب عليه أن لا يؤمن مكر اللّه، كما يجب عليه أن لا ييأس من روح اللّه، لأنّه لا اطّلاع لأحد على عواقب الأمور و أسرار حكمة اللّه في خلقه، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد و القتل، و لكنّهم سيأتون بعدها بالإنابة و الرجوع بقولهم: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [٧/ ٢٣] و إنّ إبليس و إن أتى بالطاعات، لكنّه سيأتي بعدها بالإباء و الاستكبار و بقوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [٧/ ١٢] فمن شأن العاقل أن لا يعتمد على عمله، و أن يكون أبدا متوكلا على اللّه
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٤٢٥.
[٢] طبقات الصوفية للسلمي: ٩٧.