تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٣ - إشارة قرآنية
خائفا وجلا.
فقوله: اني أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معناه: إنّي أنا الذي أعرف الظاهر و الباطن، و العلن و السرّ، و البداية و النهاية، و من يرونه عابدا مطيعا سيكفر و يبعد عن حضرتي و دار كرامتي، و من يرونه فاسقا بعيدا سيقرب من خدمتي و ينيب إلىّ و يفوز بثوابي و يتبوّء دار كرامتي حيث يشاء.
فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الغفلة و الجهل، و لا يتيسّر لهم أن يخرقوا أستار العزّ، فإنّهم لا يحيطون بشيء من علمه إلّا بما شاء.
ثمّ إنّه تعالى حقّق من مكامن الغيب عجز الملائكة عن تحقيق الأمور بأن أظهر من البشر كمال العبوديّة، و من أسدّ ساكني السموات عبادة كمال الكفر و الجحود لئلا يغترّ أحد بعلمه و عبادته، و يفوّضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق، و يزيلوا الاعتراض بالقلب و اللسان عن مصنوعاته و مبدعاته.
السابع: التنبيه على إخلاص العمل عن شوب الرياء و السمعة، لكونه تعالى علّام الغيوب و كشّاف أسرار القلوب.
روى عدي بن حاتم، إنّه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [١]: «يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنّة، حتّى إذا دنوا منها و وجدوا رائحتها و نظروا إلى قصورها و إلى ما أعدّ اللّه لأهلها نودوا أن انصرفوا عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بها حسرة ما رجع أحد بمثلها، و يقولون: يا ربّنا- لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك و ما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا».
«فنودوا: ذلك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، و إذا لقيتم الناس لقيتم مخبتين تراؤن الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم. هبتم الناس و لا تهابوني، أجللتم الناس و لم تجلوني، و تركتم المعاصي للناس و لم تتركوها لي، كنت أهون الناظرين عليكم، فاليوم اذيقكم عذابي مع ما حرّمتم من النعيم».
[١] الترغيب و الترهيب للمنذري باختلافات يسيرة: ١/ ٥٢.