تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٨ - علوم الملائكة، و فضل الإنسان عليهم
و قيل: تصدير الكلام به اعتذار عمّا وقع لهم من الاستفسار و الجهل بحقيقة الحال، إشعارا بأنّ سؤالهم لم يكن اعتراضا.
و قد جعلت هذه الكلمة مفتاح التوبة و الإنابة، فقال موسى- صلوات اللّه على نبيّنا و آله و عليه-: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [٧/ ١٤٣] و قال يونس عليه السّلام: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ صلّى اللّه عليه و آله [٢١/ ٨٧] و كذا في قوله تعالى تعليما لعباده: ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [٢٤/ ١٦].
و في هذه الآية دلالة على أنّ العلم و سائر الكمالات فائضة من اللّه و هو المعطي لها؟ سواء كان على طريقة الإبداع- كما في أكثر علوم الملائكة- او على طريقة التكوين بحسب القوابل و الأوقات- كما في أكثر علوم الناس.
و قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ إشعار بأن معطي الكمال الذي لا يوجب تكثّرا و لا تغيّرا اولى بذلك الكمال، و كذلك العلم و الحكمة، فإنّ كلّا منهما صفة كماليّة لمطلق الوجود، و لا يقتضى عروضه للشيء تجسّما و لا تكثّرا و لا تخصصّا بأمر جزئي او انفعال مادي، فإذا وجد شيء منهما في المخلوق و المبدع فوجوده في الخالق المبدع أولى و أليق و أشدّ و أوثق.
فهو العليم الذي لا يخفى عليه خافية، و الحكيم الذي يفعل كلّ شيء لحكمة و غاية، لا بمجرّد إرادة جزافيّة لا غاية لها، و لا مراعاة فيها للأحكم الأتقن- كما زعمه أكثر المتكلّمين- كيف! و جميع الخيرات فائضة من لدنه ١٣٨، و كلّ الأشياء متوجّهة إليه، مائلة إلى ما عنده، نائلة من بحار جوده و كرمه فما أضلّت أقواما زعموا إنّ إرادته خالية عن الداعي، عارية عن العناية بأحوال الخلق؟! نعم- لا داعي لفعله خارجا عنه، و لا مرجّح لجوده سواه، لأنه خير الخيرات و أصل الدواعي ١٣٩ و الطلبات.
ثمّ اعلم إنّ «العليم» صيغة مبالغة في العلم، و المبالغة التامّة فيه لا يتحقّق إلّا