تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٧ - علوم الملائكة، و فضل الإنسان عليهم
و الغرض إنّ الإنسان مختصّ متميّز عن الملائكة و غيرهم بجامعيّة العلوم و النشآت و مظهريّة جميع الأسماء و الصفات، و الانتقال من أسفل سافلين إلى أعلى العليّين لأجل لحوق المزايلة عمّا كان أولا و حصول الموت الطبيعي او الإرادي له عن كلّ نشأة، للانتقال به إلى نشأة اخرى فوقها.
و مثل هذه الاستحالات و الانقلابات لا يوجد في غيره- سيّما، الملائكة العلويّة، فمنهم سجود لا يركعون، و منهم ركوع لا ينتصبون، و صافّون لا يتزايلون، و مسبّحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، و لا سهو العقول. و لا فترة الأبدان- هكذا في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام في نهج البلاغة [١].
و الثبات على حالة واحدة و إن كان معدودا من صفات الكمال و تشبّها بالمبدإ الفعّال، إلّا إنّه يمنع من المزيد و يحبس العبد على الحاضر العتيد، و التجدّد في الأحوال و إن كان معدودا من صفات النقص- كالموت و العدم و القوّة- إلّا إنّه كالموت الذي هو تحفة المؤمن قد يبلغ بالرجال من أدنى المراتب إلى أرفع الأحوال و أعلى درجات الكمال، و بهذا يفوق الإنسان على غيره.
و الملائكة عليهم السلام لمّا بان لهم من فضل الإنسان، و جهة فضيلته على سائر الأكوان، و علموا وجه الحكمة في إيجاده و إخراجه من مكامن القوّة و الإمكان، و مطاوي الأفلاك و الأركان، فعظّموا جلال الحقّ و مجّدوه و سبّحوه تعجّبا و شكرا لنعمته بما عرّفهم من مكنون علمه و كشف لهم عن مرآة جماله و جلاله و مجلى أحوال صفاته و أنوار كماله.
و «سبحان» مصدر كغفران، و لا يكاد يستعمل إلّا مضافا منصوبا بإضمار فعله ك «معاذ اللّه» و قد اجرى علما للتسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ [٢].
[١] الخطبة رقم: ١.
[٢] البيضاوي: «في قوله: سبحان من علقمة الفاخر».