تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٣ - فصل في الشواهد القرآنية على أن رتبة العلم و منزلة العلماء كانت عظيمة عند الأنبياء - سلام الله عليهم أجمعين
امتنانا عليه و تكريما له: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [٤/ ١١٣].
و أمّا كليم اللّه: فقد قال بعض المفسّرين [١]: «لو اكتفى أحد من العلم و ساغ له القنوع منه لا كتفي موسى عليه السّلام و لم يقل لخضر عليه السّلام: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [١٨/ ٦٦]».
و أمّا داود: فلمّا ذكر من حاله مع أحوال الأنبياء عليهم السّلام قدّم العلم أول الأقوال، حيث قال: داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إلى قوله: وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً [٢١/ ٧٨- ٧٩] ثمّ إنّه ذكر بعد ذلك ما يتعلّق بأحوال [الدنيا] فدل على أن شرف العلم أشرف.
و أمّا سليمان عليه السّلام: فكان له من ملك الدنيا ما كان، حتّى أنّه قال: رب هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [٣٨/ ٣٥] ثمّ إنّه لم يفتخر بالمملكة و افتخر بالعلم حين قال يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [٢٧/ ١٦] فافتخر بكونه عالما بمنطق الطير فإذا حسن من سليمان الافتخار بذلك فبأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة ربّ العالمين و صفاته و أسمائه، و كيفيّة أفعاله و ملكوت سماواته، و كتبه و رسله، و الايمان بيوم القيامة و حشر الخلائق إليه، و معاد الكلّ و رجوع الجميع إليه، كان أحسن.
و لأنّه قدّم ذلك على قوله: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
و قال بعضهم: الهدهد مع انّه في نهاية الضعف و مع انّه كان في موقف المعاتبة قال أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [٢٧/ ٢٢] فلو لا إنّ العلم أشرف الأشياء، و إلّا فمن أين لمثله أن يتكلّم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام؟! و ما ذاك إلّا ببركة العلم.
و أيضا فان سائر كتب اللّه المنزلة على الأنبياء عليهم السّلام ناطقة بفضل العلم:
[١] القائل قتادة كما في تفسير الفخر الرازي: ١/ ٤٠٣.