تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٦ - تنبيهات عقلية
فأمّا كون معرفة اللّه تعالى و صفاته و أفعاله و ملكوت سماواته، و أسرار ملكه أعظم لذّة من الرياسة فهذا يختصّ بمعرفته من نال رتب المعرفة و ذاقها، و لا يمكن اثبات ذلك عند من لا قلب له، لأنّ القلب معدن هذه القوّة؛ كما إنّه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذّة اللعب بالصولجان عند الصبيان، و لا رجحانه على لذّة شمّ البنفسج عند المزكوم، لأنّه فاقد الصفة التي تدرك بها هذه اللذّات، و لكن من سلم من آفة العنّة و سلم حاسّة شمّه أدرك التفاوت بين اللذّتين، و عند هذا لا ينبغي إلّا أن يقال «من ذاق عرف».
و لعمري إنّ طلّاب العلوم- و إن لم يشتغلوا بطلب معرفة العلوم الإلهيّة- فقد استنشقوا رائحة هذه اللذّة عند انكشاف المشكلات و انحلال الشبهات التي قوى حرصهم على طلبها، فإنّها أيضا معارف و علوم و إن كانت معلوماتها غير شريفة- شرف المعلومات الإلهيّة- فأمّا من طال فكره في معرفة اللّه سبحانه و قد انكشف له من أسرار ملك اللّه- و لو الشيء اليسير- فإنّه يصادف في قلبه عند حصول الكشف من الفرح ما يكاد يطير به و يتعجّب من نفسه في ثباته و احتماله لقوّة فرحه و سروه- و هذا ممّا لا يدرك إلّا بالذوق.
فهذا القدر ينبّهك على أن معرفة اللّه ألذّ الأشياء و أعظم السعادات، لا سعادة فوقها، و أن لا شقاوة و لا نقصان فوق شقاوة الجهل و نقصانه- سيّما إذا كان مشفوعا بالاستكبار و الافتخار [١].
تنبيهات عقليّة
و اعلم إنّ كون العلم صفة شرف و كمال، و كون [الجهل] صفة نقصان أمر معلوم للعقلاء بالضرورة، و ممّا يدل على فضيلة العلم إنّه إذا سئل الواحد منّا عن مسألة علميّة قد علمها، و قدر على الجواب الصواب فرح بذلك و ابتهج به، و إن
[١] معظم ما جاء في هذا الفصل ملخّص من احياء علوم الدين: كتاب المحبة و الشوق ٤/ ٣٠٧ إلى ٣١٠.