تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٤ - فصل الملائكة و الأقوال فيها
لطيفة قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة، مستدلّين بأنّ الرسل عليهم السّلام كانوا يرونها كذلك، و قالت طائفة من النصاري: «هي النفوس الفاضلة البشريّة المفارقة للأبدان، كما إنّ الجنّ أيضا عندهم هي النفوس الخبيثة الشريرة المفارقة».
و زعم الحكماء ١١٢ إن ضربا منها جواهر مجرّدة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة و ضربا آخر متعلقة بالأجرام الكلّية و الجزئيّة بأنحاء من التدبير و التصريف، فهي عندهم منقسمة إلى قسمين:
قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحقّ، و التنزّه عن الاشتغال بغير ملاحظة جماله و جلاله، و هم العليّون و الملائكة المقرّبون، كما وصفهم اللّه في محكم تنزيله بقوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [٢١/ ٢٠]. و قسم يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء، و جرى به القلم الإلهي، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [٦٦/ ٦] و هم المدبّرات أمرا، فمنهم سماويّة، و منهم أرضيّة- على تفصيل ذكره في المفاتيح الغيبية [١].
و اعلم إنّهم اختلفوا في أنّ المقول لهم كلّ الملائكة، أم ملائكة الأرض، و الحقّ إنّ المراد من الخليفة إن كان آدم عليه السّلام أو الإنسان الصغير فالمقول له هم الملائكة الأرضيّة، و إن كان الإنسان الكبير المحمدي عليه و آله السلام فالمخاطب كلّ الملائكة ١١٣ أجمعين.
و قيل [٢]: هم إبليس و من كان معه في محاربة الجنّ، فإنّه تعالى أسكنهم في الأرض أولا فأفسدوا فيها، فبعث إليهم إبليس في جند من الملائكة فدمّرهم و فرّقهم في الجبال و الجزائر.
مثال ذلك قوى مملكة الإنسان في أرض بدنه، فإنّ مادّة بدنه كانت أولا قبل تعلّق النفس الوهميّة بيد قوى الحيوانيّة الشهويّة و الغضبيّة الساكنة في أوسط
[١] المفاتيح الغيبية: المفتاح التاسع، ٥٨٢.
[٢] القائل ابن عباس، راجع تفسير الطبري: ١/ ١٠٨.