تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٩ - فصل
و عن الثاني بأنّ جرم الأرض و إن تقدم خلقه خلق السماء لكن دحوها متأخّر عنه، لأنّ التدحية هي البسط.
و لقائل أن يقول: هذا مشكل من وجهين: الأول إنّ الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية، و ما مع المتأخّر متأخّر، فإذا كانت التدحية متأخّرة، فلزم منها كون خلقها أيضا متأخّرا عن خلق السماء.
و الثاني ان قوله خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ يدلّ على أنّ خلق الأرض و خلق كل ما فيها متقدّم على خلق السماء، لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلّا إذا كانت مدحوّة فكونها مدحوّة تكون قبل السماء، و حينئذ يثبت التناقض.
و ذكر بعضهم [١] للتفصّي عن هذا الإشكال بأنّ قوله: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يقتضي تقدّم خلق السماء على الأرض، و لا يقتضي أن تكون تسويتها متقدّمة على خلق الأرض، فإذن لا تناقض.
و أنت تعلم إنّ قوله: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها* رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها [٧٩/ ٢٧- ٢٨] يقتضي أن يكون خلقها و تسويتها جميعا متقدّمين على تدحية الأرض لكن تدحيتها كما مرّ ملازمة لخلق ذاتها، فحينئذ ذات السماء و تسويتها متقدّمان على ذات الأرض، فيعود المحذور.
هذا تمام ما ذكروه في هذا المقام، و لم يتنقّح حال هذه المسألة بقوّة أفهام أولئك الأقوام، بل لا بدّ لدركها من الاهتداء بأنوار الكلام، و الاعتصام بقوّة من بيده إفاضة العلم و الحكمة و الانعام.
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٧٢.