تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) الآيات ١٩ الى ٢٠
كثيرا ما يتصامم عن ذكر الآيات و الحجج و البيّنات حذرا عن سماع ما يوجب فساد عاقبتهم و يظهر عليهم مآل ما هم عليه من النفاق و الفسق و لا يعلم السفيه الأحمق إنّ التصامم و التعامي لا يدفع الداهية و الموت، كما إنّ الصاعقة لو أتت إلى شخص لا يمكن له دفعها بجعل إصبعيه في أذنيه.
و قوله يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ إشارة إلى أنّ لمعات القرآن أو الايمان و أنواره الباهرة يكاد يخطف أبصار بصائر الناظرين فيه حتّى كأنّهم لضعف بصائرهم عن احتمال شوارقها و لوامعها كالمبهوتين المتحيّرين.
و المراد من قوله كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ إنّه متى ظهر لهم أو نقل إليهم شيء من خوارق العادات و الكرامات أو متى حصل لهم شيء من المنافع كحصول الغنائم أو التوقير و التقديم في المجالس أو تولية الأمور كضبط الأموال و حفظ الأمانات و سعاية الزكوات و الحسبة و الشهادة و غيرها، فإنّهم يرغبون في الدين و يجهدون في العمل. و إذا اظلم عليهم أي متى لم يجدوا شيئا من الكرامات أو من المنافع، فحينئذ يقفون عن العمل و يكرهون الايمان و لا يرغبون فيه هذا ما ظهر في معنى الآية.
و يقرب منه ما قيل: شبّه الايمان و القرآن و سائر ما أوتي الإنسان من المعارف التي هي سبب الحيوة الأبديّة بالصيّب الذي به حيوة الأرض، و ما ارتبكت بها من الشبه المبطلة و اعترضت دونها من الاعتراضات المشكلة لأهل البدع بالظلمات، و ما فيها من الوعد و الوعيد بالرعد، و ما فيها من الآيات الباهرة بالبرق، و تصاممهم عمّا يسمعون من الوعيد بحال من يهوّله الرعد فيخاف صواعقه فيسدّ أذنه عنها مع إنّه لا خلاص لهم منها و هو معنى قوله: و اللّه محيط بالكافرين. و اهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلّما أضاء لهم، و توقّفهم في الأمر حين يعرض لهم شبهة او تعنّ لهم مصيبة بتوقّفهم إذا أظلم عليهم، و أشير بقوله:
وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إلى أنّه سبحانه جعل لهم السمع و الأبصار