تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) الآيات ١٩ الى ٢٠
لحفظ ظواهر الأقوال، المغترّين بإبداء الشبهات، و هم الذين إذا جاءتهم البيّنات يفرحون بما عندهم من العلم. و في هذا التمثيل حال المنافقين الذين هم من أهل النسك و أهل التقليد من غير بصيرة تامّة و إياهما عني في
قوله صلّى اللّه عليه و آله: قصم ظهري رجلان عالم متهتّك و جاهل متنسّك.
و
عن أمير المؤمنين عليه السّلام [١]: قطع ظهري رجلان من الدنيا رجل عليم اللّسان فاسق و رجل جاهل القلب ناسك هذا يصدّ بلسانه عن فسقه و هذا بنسكه عن جهله فاتّقوا الفاسق من العلماء و الجاهل من المتعبّدين أولئك فتنة كلّ مفتون.
فوجه المماثلة هاهنا إنّ المراد من المطر هو الايمان، أو القرآن لكونه منشأ الحيوة المعنويّة و الأرزاق الاخرويّة. و الظلمات هي الشبهات و المتشابهات التي يخفى وجهها على الجهّال و الأرذال و يضلّون في إدراكها، كما قال يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.
و الرعد و البرق و الصواعق، هي التكاليف الشاقّة بعضها من باب الأعمال و بعضها من باب الاعتقادات كفعل الصلوة و الصيام و الحجّ و ترك الرياسات و المجاهدة مع الآباء و الأمّهات و ترك الأديان القديمة و الاعتقاد بحقيّة هذا الدين، و الانقياد له.
فكما إن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيّب الذي هو أشدّ الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة فكذا المنافق الجاهل يحترز عن الايمان أو القرآن بسبب هذه الأمور زعما منه إن الغرض منها إيلامه و تخويفه و تشديد الأمر عليه بحيث يكاد يوجب هلاكه، و لم يعلم إن فيها شفاء لما في الصدور و تنويرا للقلوب و إحياء للنفوس المريضة بداء الجهالة و رحمة للذين آمنوا و هدى للعالمين.
و المراد من قوله يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ (مِنَ الصَّواعِقِ) حَذَرَ الْمَوْتِ إنّ الجاهل المنافق
[١] الخصال: باب الاثنين، ١٠/ ٦٩.