تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٥ - فصل في تتمة القول في معنى قوله تعالى «إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا»
و المجيء، و الجنب، و القدم، و الوجه، و العين، و الأعين- و ما يجرى مجراها- فمن عرف ما ذكرناه فتح على قلبه باب عظيم من علوم المكاشفات.
فصل في تتمة القول في معنى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا»
قيل [١]: يجوز أن يقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: «أما يستحيي ربّ محمّد أن يضرب مثلا بالذباب و العنكبوت؟!» فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال- و هذا فنّ بديع من الكلام.
و اعلم إنّ ما لا يجوز عليه تعالى من المثالب و النقائص، فيجب أن يسلب عنه تعالى، و لا يجوز إطلاق ذلك السلب عليه على طريق الإيجاب العدولي و لا على إيجاب سلب المحمول مثلا لا يجوز عليه الجسميّة، فيجب أن يسلب هي عنه و يقال «ليس هو بجسم» و لا يقال: «هو لا جسم» او «هو ليس بجسم».
لأن اثبات المعنى العدولي له و كذا إيجاب المفهوم السلبي عليه يستدعي اتّحاده به، و ذلك يستلزم أن يكون ذلك المعنى إمّا عين ذاته- إن كان ذاته بذاته مصداق ذلك المعنى و مطابق حمله عليها- و هو محال، لكون ذاته تعالى حقيقة الوجود المجهولة التصوّر؛ و إما عارضة لذاته إن لم يكن كذلك، فيلزم التكثّر في صفاته، و هو أيضا مستحيل- كما بيّن في مقامه.
ثمّ إنّه قال القاضي [٢]: ما لا يجوز على اللّه من هذا الجنس إثباتا فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضا عليه، و إنّما يقال إنّه لا يوصف به، فأمّا أن يقال:
«لا يستحيي» و يطلق ذلك عليه فمحال- لأنّه يوهم نفي ما يجوز عليه، و ما ذكره تعالى
[١] الكشاف: ١/ ٢٠٤.
[٢] راجع التفسير للفخر الرازي: ١/ ٣٥٠.