تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٤ - فصل
و اعلم إنّ قوام الروح الإنساني و إن كان بأصل الايمان، لأنّ صورة ذاته إنّما تتحقّق بالعلم، و به يصير خارجا من القوّة إلى الفعل، لكن العمل الصالح يخلصه من العوائق، و يمحضه عن عذاب التعلّقات، فلا بدّ للسعادة المطلقة من حصولهما جميعا و من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال: «كلّ من أتى بالايمان و الأعمال الصالحة فله الجنّة». فإذا قيل له: «فما قولك فيمن كفر بعد ذلك؟». قال:
«هذا ممتنع- لأنّ فعل الايمان و الطاعة يوجب استحقاق الثواب الدائم، و فعل الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، و الجمع بينهما محال».
و ذكر في بيان الاستحالة وجوها ثلاثة عقليّة ذكرها الإمام الرازي في تفسيره الكبير، [١] ثمّ فرّع ذلك على فساد القول بالإحباط، ثمّ أجاب الإمام الرازي فيه عن قوله بقولين:
«أحدهما قول من اعتبر الموافاة، و هو إنّ شرط حصول الايمان أن لا يموت على الكفر، فلو مات على الكفر علمنا إنّ ما أتى به أولا كان كفرا. قال: «إن هذا قول ظاهر السقوط».
و ثانيهما إن العبد لا يستحقّ على الطاعة ثوابا، و لا على المعصية عقابا- استحقاقا عقليّا واجبا- و هو قول أهل السنّة و الجماعة، و اختيارنا، و به يحصل الخلاص عن هذه الظلمات» [٢].
أقول: انظروا معاشر المسلمين- هل يفعل الصديق الجاهل بصديقه ما يفعله هو و أهل سنّته و جماعته بالكتاب و الشريعة! وليته هو و أصحابه سكتوا عما سكت عنه الصحابة و التابعون، و لم يخوضوا في أعماق هذه المسائل الدينيّة و اكتفوا بالتقليد حتى يسلموا عن هذه المضايق التي لا جولان لأمثالهم فيها و لا نجاة لأحد منها إلّا
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٤٥.
[٢] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٤٦.