تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦ - فصل ما هو ضرب المثل
ثمّ ذكروا في الآية سؤالات و أجوبة: [١].
أحدها: إنّ مستوقد النار اكتسب لنفسه نورا و اللّه تعالى أذهب بنوره و تركه في ظلمات، و المنافق لم يكتسب خيرا و ليس له نور فما وجه التشبيه؟ و الجواب بوجوه:
الأول: بما قال السدى إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصول النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة ثمّ نافقوا فهم بايمانهم اكتسبوا نورا ثمّ بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور و وقعوا في حيرة عظيمة.
أقول: و هذا ليس بشيء، لأن الايمان إن كان مجرّد الإقرار باللسان فليس بنور، و إن كان العرفان الحقيقي الحاصل بالبرهان فليس بقابل للزوال.
و الثاني بما ذكره الحسن: و هو انهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن دمائهم و سلامة أموالهم عن الغنيمة، و أولادهم عن السبي، و ظفروا بغنائم الجهاد و سائر أحكام المسلمين، عدّ ذلك نورا من أنوار الايمان، و لما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليل القدر، شبّههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوءها قليلا، ثمّ سلب ذلك فدامت حيرته و حسرته للظلمة التي جاء به في أعقاب النار. و كان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور، و عظيم ضررهم في الآخرة يشبه الظلمة.
الثالث أن يقال ليس وجه الشبه إن للمنافق نورا، بل شبّه حاله في تحيّره و و ظلمته في القيامة بحال المستوقد الذي زال نوره و بقي متحيّرا في طريقه المظلم.
الرابع إنّه صار ما يظهره المنافق من كلمة الايمان ممثّلا بالنور و ذهابه هو ما يظهره لأصحابه من الكفر و النفاق، و إنّما سمّى مجرّد القول بتلك الكلمة نورا و إن كان القائل بها أظهر في تلك الساعة خلافها، لأنّه قول حقّ في نفسه.
الخامس: إنّه سمّى إظهار الكلمة نورا لأنّه يتزيّن به ظاهره و يصير ممدوحا بسببه
[١] راجع تفسير الفخر الرازي: ١/ ٢٩٣، و الكشاف: ١/ ١٤٩.