تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٠ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٤
لا تتّقد إلّا بالناس و الحجارة و بأنّ غيرها إن أريد إحراق الناس بها او إحماء الحجارة أوقدت أولا بوقود ثمّ طرح فيها ما يراد إحراقه او إحماؤه، و تلك- أعاذنا اللّه منها برحمته الواسعة- توقد بنفس ما يحرق و يحمى بالنار، و بأنّها لإفراط حرّها و شدّة ذكاها إذا اتّصلت بما لا تشتعل به نار اشتعلت و ارتفع لهبها».
أقول: إن نار جهنّم ممتازة عن سائر النيرانات بأمور شتّى:
منها انها اخروية غير محسوسة بهذه الحواس الفانية إلا بعد انقلابها إلى النشأة الآخرة، فعند ذلك يشاهدها الإنسان بعين اليقين، و العارف يشاهدها الآن بعلم اليقين كما دلّ عليه قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ [١٠٢/ ٥- ٧].
و منها: إنّها كامنة أولا في بواطن الأشياء التي هي وقودها، ثمّ تبرز من الباطن إلى ظاهرها، و سائر النيران تستولي أوّلا على ظاهر الحطب و ما يجرى مجراه ثمّ تنصرف إلى باطنه.
و إليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [١٧/ ٩٧] و لم يقل: «زدناها» دلّ على أنّه كلّما خبت- يعني النار المتسلّطة على أبدانهم- زدناهم- يعني نفوس المعذبين- سعيرا، فمعناه إن النار تغلب أولا على بواطنهم ثمّ يسري العذاب بها إلى ظواهرهم.
و يحتمل أن يكون المراد: كلّما خبت النار في ظواهرهم و وجدوا الراحة من حيث أبدانهم سلّط اللّه عليهم الفكرة في حالهم و عاقبتهم فيما كانوا فيه من الأمور التي لو عملوا بها و لم يعملوا بأضدادها لنالوا السعادة العظمى و الغبطة الكبرى، فيزداد بذلك عذابهم المعنوي أشدّ من حلول العذاب المقرون بتسليط النار المحسوسة على أجسادهم.
و منها إنّ فعل المعاصي و الشهوات و اللذات يولدها و يقوّيها و فعل التوبة يطفئها