تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥ - فصل ما هو ضرب المثل
فصل [ما هو ضرب المثل]
قالوا [١] إنّ المقصود من ضرب المثال إنّه يؤثّر في القلوب ما لا يؤثّره وصف الشيء في نفسه، و ذلك لأنّ الغرض تشبيه الخفيّ بالجلي و الغائب بالشاهد فيتأكّد الوقوف على مهيّته و يصير الحسّ مطابقا للعقل، و ذلك هو النهاية في الإيضاح، ألا ترى إنّ الترغيب بالايمان و التزهيد عن الكفر مجرّدين عن ضرب المثل لا يتاكّد تأثيرهما في القلب، و إذا مثّل الايمان بالنور و الكفر بالظلمة يتاكّد تأثير حسن الايمان و قبح الكفر في القلب؟
و لهذا كثّر اللّه في كتابه المبين و في سائر كتبه ضرب الأمثال و قال: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ [٢٩/ ٤٣] و من سور الإنجيل «سورة الأمثال» [٢].
أقول: قد علمت إنّ حقيقة التمثيل ما هو، و دريت إنّ الغرض ليس مجرّد التأثير و الوقع في النفس، بل بيان حقيقة الأمر و ملاكه و روحه، أو لا ترى إنّ الألفاظ المذكورة في هذه الآية من النار و الاستيقاد و الإضائة و النور و الذهاب و الظلمات و غيرها كلّها محمولة على الحقيقة مشهودة بنظر البصيرة، بل هي حقيقة أحوالهم الباطنة و التي هم عليها من الأحوال و الأفعال الظاهرة هي مثال تلك الأحوال، كما قرّرنا من أنّ ما في الدنيا أمثلة لما في الآخرة لكن المماثلة لما كانت من الجانبين يجوز استعمالها في كلّ من الطرفين، إذ المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل و هو النظير يقال: مثل و مثل و مثيل كشبه و شبه و شبيه، ثمّ قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل، و ربما اشترط أن يكون قولا فيه غرابة بوجه [٣].
(١، ٢) تفسير الفخر الرازي: ١/ ٢٩٣.
[٣] الكشاف: ١/ ١٤٩.