تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٦ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٣
و هذا غاية الإلزام و نهاية التبكيت التي لم يبق للمحجوج المعاند مجال الكلام إلّا بإتيان المثل او ما يقرب منه لو وجد عنده او أخذه من أقرانه و أعوانه، كما قال، وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [١٧/ ٨٨] و إذا لم يأت بمثله و لا بما يقرب منه فقد علم عجزه.
فهذا أوضح الطرق للدلالة على أن القرآن معجزة، و ذلك لأنّه لا يخلو حاله من أحد وجوه: إمّا أن يكون مساويا لكلام سائر الفصحاء، أو زائدا عليه بقدر لا ينقض العادة، او زائدا عليه بقدر ينقض العادة. و الأولان باطلان، فتعيّن الثالث.
أما بطلانهما: فإنّه صلّى اللّه عليه و آله تحدّى بالقرآن، و دعى إلى الإتيان بسورة مثله مصاقع البلغاء و الفصحاء مع [كثرتهم] كثرة رمال الدهناء و حصاء البطحاء، و كانوا في معرفة اللغة و الاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، [و] كانت شهرتهم بغاية العصبيّة و العناد و الحميّة الجاهلية و اللداد فوق النهاية، و كان تهالكهم على المباهاة و المبالاة و الدفاع عن الأحساب و ركوب الشطط في هذا الباب خارجا عن الحدّ و الحساب؛ فعجزوا حتى آثروا المقارعة على المعارضة، و بذلوا المهج و الأرواح دون المدافعة.
فلو قدروا على المعارضة بالمثل- او بالأقلّ منه تفاوتا غير فاحش- لعارضوا بمقارعة اللسان- لا بمعارضة السيف و السنان- و لم يرتكبوا ضروب المهالك و المحن، و لم يبذلوا النفوس و الأموال في الحروب و الفتن- إذ المعارضة أقوى القوادح- و لو عارضوا لاشتهر و تواتر نقله إلينا لتوفّر الدواعي و عدم الصارف.
و العلم بجميع ذلك يجري مجرى الضروريّات كسائر علوم العاديّات، و لا يقدح فيه احتمال أنّهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها، أو عارضوا و لم ينقل إلينا لمانع- كعدم المبالاة و قلّة الالتفات و الاشتغال بالمهمّات.