الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩١ - يفر و يدع من معه
/
إذا عينان في رأس قبيح
كرأس الهرّ مشقوق اللّسان
و ساقا مخدج و شواة كلب
و ثوب من عباء أو شنان [١]
يفر و يدع من معه
: قالوا: و كان من حديثه أنه خرج غازيا يريد بجيلة هو و رجل معه، و هو يريد أن يغترّهم، فيصيب حاجته، فأتى ناحية منهم، فقتل رجلا، ثم استاق غنما كثيرة، فنذروا به، فتبعه بعضهم على خيل، و بعضهم رجّالة، و هم كثير، فلما رآهم، و كان من أبصر الناس عرف وجوههم، فقال لصاحبه: هؤلاء قوم قد عرفتهم، و لن يفارقونا اليوم حتى يقاتلونا أو يظفروا بحاجتهم، فجعل صاحبه ينظر، فيقول: ما أتبيّن أحدا، حتى إذا دهموهما قال لصاحبه: اشتدّ فإني سأمنعك ما دام في يدي سهم، فاشتد الرجل، و لقيهم تأبّط شرّا، و جعل يرميهم حتى نفدت نبله، ثم إنه اشتدّ فمرّ بصاحبه فلم يطق شدّه، فقتل صاحبه، و هو ابن عمّ لزوجته، فلما رجع تأبّط شرّا و ليس صاحبه معه عرفوا أنه قد قتل، فقالت له امرأته: تركت صاحبك و جئت متباطئا، فقال تأبط شرا في ذلك:
ألا تلكما عرسي منيعة ضمّنت
من اللّه إثما مستسرّا و عالنا [٢]
تقول: تركت صاحبا لك ضائعا
و جئت إلينا فارقا متباطنا [٣]
إذا ما تركت صاحبي لثلاثة
أو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا [٤]
/ و ما كنت أبّاه على الخلّ إذ دعا
و لا المرء يدعوني ممرّا مداهنا [٥]
و كرّي إذا أكرهت رهطا و أهله
و أرضا يكون العوص فيها عجاهنا [٦]
و لمّا سمعت العوص تدعو تنفّرت
عصافير رأسي من غواة فراتنا [٧]
و لم أنتظر أن يدهموني كأنهم
ورائي نحل في الخليّة واكنا [٨]
[١] آثرنا إثبات هذه الأبيات مع سبق إيرادها تمشيا مع النسخ: ب، ف، مو، أما هد فقد اجتزأت بذكر المصراع الأول من البيت الأول، و أردفته بقولها «و قد تقدمت».
[٢] عرسه: زوجته، يريد أنه ألحق بها إثما أسرّه في نفسه فظهر، و ذلك بقتل ابن عمها.
[٣] في هد، ف تقول:
«تركت صاحبي بمضيعة»
. و فارقا متباطئا: فارقته و جئت متخفيا، و قد يكونان من الفرقة و البطنة بمعنى جئتنا خائفا ممتلئ البطن.
[٤] يدعو على نفسه إن كان ترك صاحبه لعدد قليل، و إنما هو جمع لا قبل لهما به، و في بعض النسخ:
«إذا ما تركت صاحبي خوف واحد أو اثنين»
إلخ.
[٥] الممر من إمرار الحبل بمعنى إحكام فتله، أو من المرارة، و المداهن: من دهنه بمعنى ضربه، يريد أنه لا يتخلى عن خله إذا كان ذا بأس و قوة، و في مو
« ما كنت أباء على الخيل ...
... ضيرا مداهنا»
و لعل المعنى عليه أنني ما كنت أضن بالنجدة حتى على من لا يخلص لي، متى كان فيه غناء.
[٦] كري معطوف على الخل في البيت السابق أي ما كنت أبّاه على الكر، و رهط: اسم موضع؛ و هو مفعول كر، و العوص: اسم قبيلة، و العجاهن: من معانيه القنفذ، و المعنى- فيما يبدو لنا- ما كنت أمتنع عند ما أكره عن غزو رهط و أهله و أرض العوص، و هم فيها مسلحون شائكون كالقنافذ و العوص بفتح فسكون كما في ف، و في هد، مو: بضم فسكون.
[٧] تدعو أي إلى الحرب، تنفرت عصافير رأسي: كناية عن الغضب و الثورة، و العصافير: جمع عصفور، و المراد به هنا قطعة من الدماغ تفصلها عنه جليدة رقيقة، و الفراتن: جمع فرتنى، و هي المرأة الزانية، أو الأمة.
[٨] واكنا: حال من نحل، و سوغ مجيء الحال من النكرة هنا وصفها يشبه الجملة بعدها، و يقال: و كن الطائر: دخل عشه. و معنى البيت و ما قبله: لما همت بي رجال العوص لم أتقاعس، بل حملت عليهم، و لم أنتظر أن يحيطوا بي إحاطة النحل بالخلية.