الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٠ - قصته مع بجيلة
نجوت منها نجائي في بجيلة إذ
ألقيت للقوم يوم الرّوع أرواقي [١]
و ذكرها ابن أبي سعيد في الخبر إلى آخرها.
و أما المفضّل الضّبيّ فذكر أن تأبط شرّا و عمرو بن برّاق و الشّنفري- و غيره يجعل مكان الشنفري السّليك بن السّلكة- غزوا بجيلة فلم يظفروا منهم بغرّة، و ثاروا إليهم فأسروا عمرا، و كتّفوه، و أفلتهم الآخران عدوا، فلم يقدروا عليهما، فلما علما أن ابن برّاق قد أسر قال تأبط شرا لصاحبه: امض فكن قريبا من عمرو، فإني سأتراءى لهم و أطمعهم في نفسي حتى يتباعدوا عنه، فإذا فعلوا ذلك فحلّ كتافه، و انجوا، ففعل ما أمره به، و أقبل تأبط شرّا، حتى تراءى لبجيلة، فلما رأوه طمعوا فيه، فطلبوه، و جعل يطمعهم في نفسه، و يعدو عدوا خفيفا يقرّب فيه، و يسألهم تخفيف الفدية و إعطاءه الأمان، حتى يستأسر لهم، و هم يجيبونه إلى ذلك، و يطلبونه و هو يحضر إحضارا خفيفا، و لا يتباعد، حتى علا تلعة/ أشرف منها على صاحبيه، فإذا هما قد نجوا، ففطنت لهما بجيلة، فألحقتهما طلبا ففاتاهم، فقال: يا معشر بجيلة أ أعجبكم عدو ابن برّاق اليوم، و اللّه لأعدونّ لكم عدوا أنسيكم به عدوه، ثم عدا عدوا شديدا، و مضى و ذلك قوله:
يا عيد ما لك من شوق و إبراق
و أمّا الأصمعيّ فإنه ذكر فيما أخبرني به ابن أبي الأزهر عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عمه:
أنّ بجيلة أمهلتهم حتى وردوا الماء و شربوا و ناموا، ثم شدّوا عليهم، فأخذوا تأبّط شرّا، فقال لهم: إن ابن برّاق دلّاني في هذا، و إنه لا يقدر على العدو لعقر في رجليه، فإن تبعتموه أخذتموه، فكتّفوا تأبّط شرّا، و مضوا في أثر ابن براق، فلما بعدوا عنه عدا في كتافه ففاتهم، و رجعوا.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثنا أبو سعيد السكريّ قال: حدثنا ابن الأثرم، عن أبيه. و حدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عمرو، قالا:
كان تأبّط شرّا يعدو على رجليه، و كان فاتكا شديدا، فبات ليلة ذات ظلمة و برق و رعد في قاع يقال له رحى بطان، فلقيته الغول فما زال يقاتلها ليلته إلى أن أصبح و هي تطلبه، قال: و الغول: سبع من سباع الجنّ، و جعل يراوغها، و هي تطلبه، و تلتمس غرّة منه، فلا تقدر عليه، إلى أن أصبح، فقال تأبط شرّا:
ألا من مبلغ فتيان فهم
بما لاقيت عند رحى بطان
بأنّي قد لقيت الغول تهوي
بسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها: كلانا نضو أين
أخوه سفر فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوى
لها كفّي بمصقول يماني
فأضربها بلا دهش فخرّت
صريعا لليدين و للجران
/ فقالت عد، فقلت لها: رويدا
مكانك إنني ثبت الجنان
فلم أنفكّ متّكئا عليها
لأنظر مصبحا ما ذا أتاني
[١] ألقى أرواقه: أسرع في عدوه، و جاء البيت في قصيدة «المفضليات» الرابع في الترتيب.