الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٢ - خبر أخويه الأسود و أبي جندب
و قال أبو عمرو:
أسرت فهم عروة بن مرة أخا أبيّ خراش- و قال غيره: بل بنو كنانة أسرته- فلما دخلت الأشهر الحرم، مضى أبو خراش إليهم و معه ابنه خراش، فنزل بسيّد من ساداتهم و لم يعرّفه نفسه و لكنه استضافه فأنزله و أحسن قراه، فلما تحرّم به انتسب له، و أخبره خبر أخيه، و سأله معاونته حتى يشتريه منهم، فوعده بذلك، و غدا على القوم مع ذلك الرجل، فسألهم في الأسير أن يهبوه له، فما فعلوا، فقال لهم: فبيعونيه، فقالوا: أما هذا فنعم، فلم يزل يساومهم حتى رضوا بما بذله لهم، فدفع أبو خراش إليهم ابنه خراشا رهينة، و أطلق أخاه عروة و مضيا، حتى أخذ أبو خراش فكاك أخيه، و عاد به إلى القوم حتى أعطاهم إيّاه و أخذ ابنه. فبينما أبو خراش ذات يوم في بيته إذ جاءه عبد له فقال:
إن أخاك عروة جاءني و أخذ شاة من غنمك، فذبحها، و لطمني لمّا منعته منها، فقال له: دعه، فلما كان بعد أيام عاد، فقال له: قد أخذ أخرى، فذبحها، فقال: دعه، فلما أمسى قال له: إن أخاك اجتمع مع شرب من قومه، فلما انتشى جاء إلينا و أخذ ناقة من إبلك، لينحرها لهم فعاجله، فوثب أبو خراش إليه، فوجده قد أخذ الناقة، لينحرها، فطردها أبو خراش، فوثب أخوه عروة إليه/ فلطم وجهه، و أخذ الناقة، فعقرها، و انصرف أبو خراش، فلما كان من غد لامه قومه، و قالوا له: بئست لعمر اللّه المكافأة، كانت منك لأخيك؛ رهن ابنه فيك، و فداك بماله، ففعلت به ما فعلت، فجاء عروة يعتذر إليه، فقال أبو خراش:
لعلّك نافعي يا عرو يوما
إذا جاورت من تحت القبور
أخذت خفارتي و لطمت عيني
و كيف تثيب بالمنّ الكبير [١]
و يوم قد صبرت عليك نفسي
لدى الأشهاد مرتدي الحرور [٢]
إذا ما كان كسّ القوم روقا
و جالت مقلتا الرجل البصير [٣]
بما يممته و تركت بكري
و ما أطعمت من لحم الجزور [٤]
قال معنى قوله بكري أي بكر ولدي أي أولهم.
خبر أخويه الأسود و أبي جندب
: و قال الأصمعيّ و أبو عبيدة و أبو عمرو و ابن الأعرابي:
كان بنو مرة عشرة: أبو خراش [٥]، و أبو جندب، و عروة، و الأبحّ، و الأسود، و أبو الأسود، و عمرو، و زهير، و جنّاد، و سفيان، و كانوا جميعا شعراء دهاة سراعا لا يدركون عدوا، فأما الأسود بن مرة فإنه كان على ماء من داءة [٦] و هو غلام شاب، فوردت عليه إبل/ رئاب بن ناضرة بن المؤمّل من بني لحيان، و رئاب شيخ كبير، فرمى
[١] خفارتي: يعني مالي الذي أحرسه، المن: العطاء.
[٢] و يوم- بالكسر- معطوف على المن في البيت قبله، أي كيف تثيب على هذا و ذاك؟ الأشهاد: جمع شهد، و شهد: جمع شاهد، و مرتدي الحرور: لابسا الحر.
[٣] الكس: الدق الشديد، روقا: زائدا، لعله يريد أن يقول: إنني صبرت نفسي عليك إذ كان دق القوم بمعنى ضربهم شديدا زائدا، و جالت العيون في الملقى، و ذلك كناية عن أنه خاض الحرب من أجله.
[٤] بما يممته: بما قصدته من إحساني إليك، و يتعلق الجار و المجرور «كيف نثيب» في البيت الثاني أي كيف ثيبني بإحساني إليك و رهن ولدي من أجلك، و ما أكلته من لحم جزوري بلطمك وجهي؟.
[٥] كان القياس أن يقول: أبا خراش بالنصب على البدلية من عشرة، و لكن هكذا ورد في الأصول على قدير «هم فلان و فلان».
[٦] داءة- كما في «القاموس»- موضع لهذيل و في «المختار»: «فإنه كان- على ما مرّ- داهية».