الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٣ - أيهما أغلى الخلافة أم الخل الوفي؟
شرطان فاحشان
: و حدثني الحسن بن علي بن مودّة: قال: حدثني إبراهيم بن أبي العبيس: قال: حدثنا أبي: قال:
دخلنا على عريب يوما مسلّمين، فقالت: أقيموا اليوم عندي حتى أطعمكم لوزنيجة صنعتها بدعة بيدها من لوز رطب، و ما حضر من الوظيفة، و أغنيكم أنا و هي، قال: فقلت لها على شريطة، قالت: و ما هي؟ قلت: شيء أريد أن أسألك عنه منذ سنين، و أنا أهابك؟ قالت: ذاك لك، و أنا أقدم الجواب قبل أن تسأل، فقد علمت ما هو، فعجبت لها، و قلت: فقولي، فقالت: تريد أن تسألني عن شرطي أي شرط هو؟ فقلت: إي و اللّه ذاك الذي أردت.
قالت: شرطي أير صلب، و نكهة طيبة، فإن انضاف إلى ذلك حسن يوصف، و جمال يحمد فقد زاد قدره عندي، و إلا فهذان ما لا بدّ لي منهما.
تلقن حبيبها درسا في كيف تكون الهدية
: و حدّثني الحسن بن علي، عن محمد بن ذى السّيفين إسحاق بن كنداجيق [١]. عن أبيه: قال:
كانت عريب تولع بي و أنا حديث السن، فقالت لي يوما: يا إسحاق قد بلغني أنّ عندك دعوة فابعث إليّ نصيبي منها، قال: فاستأنفت طعاما كثيرا. و بعثت إليها منه شيئا كثيرا؛ فأقبل رسولي من عندها مسرعا. فقال لي:
لما بلغت إلى بابها، و عرفت خبري أمرت بالطعام فأنهب و قد وجّهت إليك برسول. و هو معي، فتحيّرت و ظننت أنها قد استقصرت فعلي، فدخل الخادم و معه شيء مشدود في منديل و رقعة، فقرأتها، فإذا فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا عجميّ يا غبيّ، ظننت أنّي من الأتراك و وخش [٢] الجند، فبعثت إليّ بخبز و لحم و حلواء، اللّه المستعان عليك، يا فدتك نفسي، قد وجهت إليك زلّة [٣] من حضرتي، فتعلم ذلك من الأخلاق و نحوه من الأفعال، و لا تستعمل أخلاق العامة،/ في ردّ الظرف. فيزداد العيب و العتب عليك إن شاء اللّه، فكشفت المنديل، فإذا طبق و مكبّه من ذهب منسوج على عمل الخلاف، و فيه زبدية فيها لقمتان من رقاق، و قد عصبت طرفيهما و فيها قطعتان من صدر درّاج مشوي و نقل و طلع [٤] و ملح. و انصرف رسولها [٥].
أيهما أغلى: الخلافة أم الخل الوفي؟
قال ابن المعتز: حدثني الهشاميّ أبو عبد اللّه. عن رجل ذكره، عن علّوية قال:
أمرين المأمون و سائر المغنين في ليلة من اللّيالي أن نصير إليه بكرة ليصطبح، فغدونا و لقيني المراكبيّ مولى عريب، و هي يومئذ عنده، فقال لي: يا أيها الرجل الظالم المعتدي، أ ما ترقّ و لا ترحم و لا تستحي؟ عريب هائمة تحلم بك في النوم ثلاث مرات في كلّ ليلة، قال علّوية: فقلت: أمّ الخلافة زانية [٦]. و مضيت معه، فحين/ دخلت قلت: استوثق من الباب، فإني أعرف خلق اللّه بفضول البوّابين و الحجاب، و إذا عريب جالسة على كرسيّ تطبخ،
[١] ب «كنداجيق».
[٢] الوخش: الردىء من كل شيء.
[٣] الزلة: ما يحمل إلى الصديق من مائدة صديقه.
[٤] الطلع: ثمر النخل أول ظهوره. و في ف «و طلح» و الطلح: الموز.
[٥] تشير هذه القصة و الرسالة التي بعثت بها عريب إلى أن هذا الطعام إنما يقدم للطغام، أما ما يقدم لمثلها فشيء فوق ذلك يعتمد على الكيف لا على الكم، و قد شفعت رأيها هذا بالنموذج الذي بعثت به إليه.
[٦] أم الخلافة زانية، يريد بهذه العبارة تنبيه عريب، و الاستخفاف بموعد الخليفة كائنة ما تكون النتيجة.