الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٦ - إصابته في غارة على الأزد
فأجابه أنس بن حذيفة الهذليّ:
لعلّك أن تجيء بك المنايا
تساق لفتية منا غضاب
فتنزل في مكرّهم صريعا
و تنزل طرقة الضّبع السّغاب [١]
تأبّط سوأة و حملت شرّا
لعلك أن تكون من المصاب [٢]
أخوه السمع يثأر لأخيه عمرو
: ثم أن السّمع بن جابر أخا تأبّط شرّا خرج في صعاليك من قومه يريد الغارة على بني عتير ليثأر بأخيه عمرو بن جابر، حتى إذا كان ببلاد هذيل لقي راعيا لهم، فسأله عنهم، فأخبره بأهل بيت من عتير كثير مالهم، فبيّتهم، فلم يفلت منهم مخبر، و استاقوا أموالهم، فقال في ذلك السّمع بن جابر:
بأعلى ذى جماجم أهل دار
إذا ظعنت عشيرتهم أقاموا [٣]
طرقتهم بفتيان كرام
مساعير إذا حمي المقام
متى ما أدع من فهم تجبني
و عدوان الحماة لهم نظام [٤]
إصابته في غارة على الأزد
: ذكروا أن تأبّط شرّا خرج و معه مرّة بن خليف يريدان الغارة على الأزد، و قد جعلا الهداية بينهما، فلما كانت هداية مرّة نعس، فجار عن الطريق، و مضيا حتى وقعا بين جبال ليس فيها جبل متقارب، و إذا فيها مياه يصيح الطير عليها؛ و إذا البيض و الفراخ بظهور الأكم، فقال تأبّط شرا: هلكنا و اللّات يا مرّة، ما وطئ هذا المكان إنس قبلنا، و لو وطئته إنس ما باضت الطّير بالأرض، فاختر أية هاتين القنّتين شئت، و هما أطول شيء يريان من الجبال، فأصعد إحداهما و تصعد أنت الأخرى، فإن رأيت الحياة فألح بالثوب، و إن رأيت و الموت فألح بالسيف، فإني فاعل مثل ذلك، فأقاما يومين. ثم إن تأبط شرّا ألاح بالثّوب، و انحدرا حتى التقيا في سفح الجبل، فقال مرّة: ما رأيت يا ثابت؟ قال: دخانا أو جرادا. قال مرّة: إنك إن جزعت منه هلكنا، فقال تأبّط شرّا: أما أنا فإنّي سأخرم بك من حيث تهتدي الريح، فمكثا بذلك يومين و ليلتين، ثم تبعا الصّوت، فقال تأبط شرّا: النّعم و النّاس. أما و اللّه لئن عرفنا لنقتلنّ، و لئن أغرنا/ لندركنّ، فأت الحيّ من طرف و أنا من الآخر، ثم كن ضيفا ثلاثا، فإن لم يرجع إليك قلبك فلا رجع، ثم أغر على ما قبلك إذا تدلّت الشمس فكانت قدر قامة، و موعدك الطريق. ففعلا، حتى إذا كان اليوم الثالث [٥] أغار كل واحد منهما على ما يليه، فاستاقا النعم و الغنم، و طردا يوما و ليلة طردا عنيفا حتى أمسيا الليلة الثانية [٥] دخلا شعبا، فنحرا قلوصا، فبينا هما يشويان إذا سمعا حسّا على باب الشّعب، فقال تأبط: الطّلب يا مرّة،
[١] مكرهم: موضع الكر، أي الميدان. السغاب: الجياع.
[٢] السوأة: العورة، و في البيت التفاف من الغيبة إلى الخطاب، و قوله من المصاب أي من النفر المصاب، و قد وردت كذلك في الأصول، و لعلها مع المصاب، و يعني بالمصاب أخاه، أي لعلك تلحق به.
[٣] بأعلى ذى جماجم: يريد الجبل الذي ينزلون به.
[٤] متى ما أدع: متى ما أدعهم، و عدوان الحماة لهم نظام: جملة حالية، أي عداوة الأبطال نظامهم، و نرجح أن الحماة تحريف الحياة، أي يجيبونني و هم يكرهون الحياة و يحبون الموت. و في «المختار» متى ما أدع في فهم بدل «من فهم» و فيه «و عدوان الكرام لهم نظام» بدل «و عدوان الحماة».
(٥- ٥) ساقط من نسخ «الأغاني» و الزيادة عن «المختار».