الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٣ - يقضي يوما كيوم دارة جلجل
و زمامه، و كان رحله من أحسن الرحال، فقال: يا هذا، و اللّه ما سرني ما كان، و قد أراك أبدعت أي كلّت ركابك، فخذ هذا النجيب، و إيّاك أن تخدع عنه، فقد و اللّه أعطيت به مائتي دينار قلت: نعم آخذه، و لكن أخبرني من أنت؟
و من هذه المرأة؟ قال: أنا توبة بن الحميّر، و تلك ليلى الأخيليّة،/ و قد أخبرني بهذا الخبر عمي.
رواية أخرى في الخبر السابق
: قال: حدثني القاسم بن محمد الأنباريّ، قال: حدثني أحمد بن عبيد، عن الأصمعيّ، قال:
كانت امرأة من عقيل يقال لها ليلى، يتحدث إليها الشباب، فدخل الفرزدق إليها، فجعل يحادثها، و أقبل فتى من قومها، كانت تألفه، و دخل إليها فأقبلت عليه بحديثها، و تركت الفرزدق، فغاظه ذلك، فقال للرّجل:
أ تصارعني؟ قال: ذلك إليك، فقام إليه الرجل فلم يلبث أن أخذ الفرزدق مثل الكرة فصرعه، و جلس على صدره، فضرط الفرزدق، فوثب عنه الرجل خجلا، و قال له الرجل: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك، و اللّه ما أردت بك ما جرى، فقال: ويحك، ما بي أن صرعتني، و لكن كأني بابن الأتان جرير، و قد بلغه خبري هذا، فقال يهجوني:
جلست إلى ليلى لتحظى بقربها
فخانك دبر لا يزال يخون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءها
كما شدّ خرتا للدّلاص قيون [١]
قالوا: فو اللّه ما مضت أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين.
يقضي يوما كيوم دارة جلجل
: أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثني محمد بن موسى، قال: حدثني القحذميّ، قال: حدثني بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن زالان التميميّ راوية الفرزدق، أن الفرزدق قال: أصابنا بالبصرة مطر [٢] جود ليلا، فإذا أنا بأثر دوابّ قد خرجت ناحية البرّية، فظننت قوما قد خرجوا لنزهة، فقلت: خليق أن تكون معهم سفرة و شراب.
فقصصت أثرهم، حتى وقفت إلى بغال عليها رحائل/ موقوفة على غدير، فأغذذت [٣] السير نحو الغدير، فإذا نسوة مستنقعات في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط،/ و لا يوم دارة جلجل [٤]، و انصرفت مستحييا منهن، فنادينني:
باللّه يا صاحب البغلة، ارجع نسألك عن شيء، فانصرفت إليهن، و هن في الماء إلى حلوقهن، فقلن: باللّه إلا ما خبرتنا بحديث دارة جلجل، فقلت: إن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عم له يقال لها عنيزة، فطلبها زمانا، فلم يصل إليها، و كان في طلب غرّة من أهلها؛ ليزورها، فلم يقض له، حتى كان يوم الغدير، و هو يوم دارة جلجل، و ذلك أن الحي احتملوا [٥]، فتقدم الرجال، و تخلف النساء و الخدم و الثّقل [٦]، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار مع قومه غلوة، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مر به النساء فإذا فتيات، و فيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فذهب عنا بعض الكلال، فنزلن إليه، و نحّين العبيد عنهن، ثم تجردن فاغتمسن في الغدير، كهيئتكن
[١] الوكاء: الخيط الذي تربط به الصرة أو الكيس و نحوهما، الخرت: الثقب. الدلاص: الدرع اللينة، قيون: جمع قين، و هو الحداد.
[٢] المطر الجود: المطر الغزير.
[٣] أغذ السير: أسرع.
[٤] دارة جلجل: مكان، و هو المشار إليه في معلقة امرئ القيس بقوله:
ألا ربّ يوم لك منهن صالح
و لا سيما يوم بدارة جلجل
[٥] احتملوا: رحلوا.
[٦] الثقل- بفتح القاف-: المتاع.