الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٧ - لم لا تنهشه الحيات؟
كان أحد العدائين المعدودين
: أخبرني عمّي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال: نزلت على حي من فهم إخوة بني عدوان من قيس، فسألتهم عن خبر تأبط شرا، فقال لي بعضهم: و ما سؤالك عنه، أ تريد أن تكون لصا؟ قلت: لا، و لكن أريد أن أعرف أخبار هؤلاء العدّائين، فأتحدّث بها، فقالوا: نحدثك بخبره: إن تأبط شرا كان أعدى ذي رجلين [١] و ذي ساقين و ذى عينين، و كان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظّباء فينتقي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه فلا يفوته، حتى يأخذه، فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله.
يصف غولا افترسها
: و إنما سمّي تأبط شرا لأنه- فيما حكي لنا- لقي الغول في ليلة ظلماء في موضع يقال له رحى بطسان [٢] في بلاد هذيل، فأخذت عليه الطّريق فلم يزل بها، حتى/ قتلها، و بات عليها فلمّا أصبح حملها تحت إبطه و جاء بها إلى أصحابه، فقالوا له: لقد تأبّطت شرّا، فقال في ذلك:
تأبّط شرّا ثم راح أو اغتدى
يوائم غنما أو يشيف على ذحل
- يوائم: يوافق، و يشيف: يقتدر. و قال أيضا في ذلك:
ألا من مبلغ فتيان فهم
بما لا لاقيت عند رحى [٣]
و أنّي قد لقيت الغول تهوي
بسهب كالصحيفة صحصحان [٤]
فقلت لها: كلانا نضو أين [٥]
أخو سفر فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوى
لها كفّي بمصقول يماني
فأضربها بلا دهش فخرّت
صريعا لليدين و للجران [٦]
فقالت: عد، فقلت لها: رويدا
مكانك إنني ثبت الجنان
فلم أنفكّ متّكئا عليها
لأنظر مصبحا ما ذا أتاني [٧]
إذا عينان في رأس قبيح
كرأس الهرّ مشقوق اللّسان
و ساقا مخدج و شواة كلب
و ثوب من عباء أو شنان [٨]
لم لا تنهشه الحيات؟
أخبرنا الحسين بن يحيى: قال: قرأت على حمّاد: و حدثك أبوك عن حمزة بن عتبة اللّهبي: قال:
/ قيل لتأبط شرّا: هذه الرجال غلبتها، فكيف لا تنهشك الحيّات في سراك؟ فقال: إني لأسرى البردين. يعني أول اللّيل، لأنها تمور خارجة من حجرتها، و آخر الليل تمور مقبلة إليها.
[١] ف، هد «ذى كعبين».
[٢] ف، هد «رحى بطان».
[٣] فهم: قبيلة الشاعر، وحي بطان: اسم موضع. و في «المختار»: «... فتيان قومي».
[٤] السهب: الفلاة. و الصحصحان: ما استوى من الأرض.
[٥] «المختار»: «نضورهن».
[٦] ف «بلا جزع». و الدهش: التحير. و الجران: مقدم العنق.
[٧] مو «ما ذا دهاني».
[٨] أخدجت الناقة: ألقت ولدها لغير تمام، و الشواء: قحف الرأس، و الشنان. جمع شن، و هو القربة البالية.