الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٣ - وقع نعيه على جرير
قال سفيان: نعم ما قالت و بئس ما قال أبو فراس.
ينظم وصيته شعرا
: و قال عوانة: قيل للفرزدق في مرضه الذي مات فيه أوص، فقال:
أوصي تميما إن قضاعة ساقها
ندى الغيث عن دار بدومة أو جدب [١]
/ فإنكم الأكفاء و الغيث دولة
يكون بشرق من بلاد و من غرب [٢]
إذا انتجعت كلب عليكم فوسّعوا
لها الدار في سهل المقامة و الرّحب
فأعظم من أحلام عاد حلومهم
و أكثرهم عند العديد من التّرب
أشدّ حبال بعد حيّين مرّة
حبال أمرّت من تميم و من كلب [٣]
يسبقه إلى الآخرة غلام له
: قال: و توفي للفرزدق ابن صغير قبل وفاته بأيام، و صلّى عليه، ثم التفت إلى الناس، فقال:
و ما نحن إلا مثلهم غير أنّنا
أقمنا قليلا بعدهم و تقدّموا
قال: فلم يلبث إلا أياما حتى مات.
أنشد عند موته:
و قال المدائنيّ: قال لبطة: أغمي على أبي، فبكينا، ففتح عينيه، و قال: أ عليّ تبكون؟ قلنا: نعم، أ فعلى ابن المراغة نبكي؟ فقال: ويحكم! أ هذا موضع ذكره؟ و قال:
إذا ما دبّت الأنقاء فوقي
و صاح صدى عليّ مع الظلام [٤]
فقد شمتت أعاديكم و قالت:
أدانيكم من أين لنا المحامي؟
وقع نعيه على جرير
: أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب إجازة، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا أبو العرّاف، قال:
نعي الفرزدق لجرير، و هو عند المهاجر بن عبد اللّه باليمامة، فقال:
/
مات الفرزدق بعد ما جرّعته
ليت الفرزدق كان عاش قليلا [٥]
فقال له المهاجر: بئس ما قلت، أ تهجو ابن عمك بعد ما مات! و لو رثيته كان أحسن بك. فقال: و اللّه إني لأعلم أنّ بقائي بعده لقليل، و أنّ نجمي لموافق لنجمه، أ فلا أرثيه؟ قال: أبعد ما قيل لك: الو كنت بكيته ما نسيتك العرب.
[١] قضاعة: مفعول به لفعل محذوف تقديره «إن ساق ندى الغيث قضاعة»، دومة: اسم مكان بعينه.
[٢] دولة: متداولة، لا تستقر على حال.
[٣] المرة: إحكام الفتل.
[٤] في ب «الأفياء».، و النقا: الكثيب من الرمل، و الصدى: رجع الصوت من الجبل و نحوه، أو هو طائر يخرج من رأس القتيل، و يقول: اسقوني حتى يؤخذ بثأره، و ليس المراد أنه مات قتيلا بل المراد أنه مجاور لهذا الطائر و أمثاله.
[٥] جرعته: سقيته المر و نحوه، و في، هج «جدعته» بالدال المشددة بمعنى قطعت أنفه.