الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠ - هي و إسحاق و الخليفة المعتصم
٦ذكر نتف من أخبار عريب مستحسنة
منزلتها في الغناء و الأدب
: كانت عريب مغنّية محسنة، و شاعرة صالحة الشعر، و كانت مليحة الخط و المذهب في الكلام، و نهاية في الحسن و الجمال و الظّرف، و حسن الصورة و جودة الضّرب، و إتقان الصنعة و المعرفة بالنّغم و الأوتار، و الرواية للشعر و الأدب، لم يتعلق بها أحد من نظرائها، و لا رئي في النساء بعد القيان الحجازيّات القديمات، مثل جميلة و عزّة الميلاء و سلّامة الزرقاء و من جرى مجراهن- على قلة عددهن- نظير لها، و كانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهنّ مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء، و من نشأ في قصور الخلافة و غذّي برقيق العيش، الذي لا يدانيه عيش الحجاز، و النش بين العامة و العرب الجفاة، و من غلظ طبعه، و قد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره.
أخبرني محمد بن خلف وكيع، عن حماد بن إسحاق: قال: قال لي أبي:
ما رأيت امرأة أضرب من عريب، و لا أحسن صنعة و لا أحسن وجها، و لا أخفّ روحا، و لا أحسن خطابا، و لا أسرع جوابا، و لا ألعب بالشّطرنج و النّرد، و لا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حمّاد:
فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي، فقال: صدق أبو محمد، هي كذلك، قلت: أ فسمعتها؟ قال: نعم هناك، يعني في دار المأمون، قلت: أ فكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق؟ فقال يحيى: هذه مسألة الجواب فيها على أبيك، فهو أعلم مني بها، فأخبرت بذلك أبي، فضحك، ثم قال: ما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا.
هي و إسحاق و الخليفة المعتصم
: أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى: قال: حدثني أبي، قال:
قال لي إسحاق: كانت عندي صنّاجة [١] كنت بها معجبا، و اشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون، فبينا أنا ذات يوم في منزلي، إذ أتاني إنسان يدقّ الباب دقّا/ شديدا، فقلت: انظروا من هذا؟ فقالوا: رسول أمير المؤمنين، فقلت: ذهبت صنّاجتي، تجده ذكرها له ذاكر، فبعث إليّ فيها. فلمّا مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب، و أنا مثخن، فدخلت، فسلّمت، فردّ عليّ السلام، و نظر إلى تغيّر وجهي، فقال لي: أسكن، فسكنت، فقال لي:
غنّ صوتا [٢] و قال لي: أ تدري لمن هو؟ فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء اللّه ذلك، فأمر جارية من وراء الستارة، فغنّته و ضربت، فإذا هي قد شبّهته بالغناء القديم، فقلت: زدني معها عودا آخر، فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر،/ فقلت: هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، قال: من أين قلت ذاك؟ قلت: لمّا سمعت لينه
[١] الصناجة: آلة موسيقية ذات أوتار.
[٢] ف، مم «فسألني عن صوت».