الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤١ - يفتدي أخاه عروة فيلطمه
/
عدونا عدوة لا شكّ فيها
و خلناهم ذؤيبة أو حبيبا [١]
فنغري الثائرين بهم و قلنا
شفاء النفس أن بعثوا الحروبا [٢]
منعنا من عديّ بني حنيف
صحاب مضرّس و ابنى شعوبا [٣]
فأثنوا يا بني شجع علينا
و حقّ ابنى شعوب أن يثيبا
وسائل سبرة الشّجعيّ عنا
غداة نخالهم نجوا جنيبا [٤]
بأنّ السّابق القرديّ ألقى
عليه الثوب إذ ولّى دبيبا [٥]
و لو لا ذاك أرهقه صهيب
حسام الحدّ مطرورا خشيبا [٦]
يزهد زهد الهنود
: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا الرياشي: قال: حدثنا الأصمعيّ قال: أقفر أبو خراش الهذليّ من الزّاد أياما، ثم مرّ بامرأة من هذيل جزلة شريفة، فأمرت له بشاة فذبحت و شويت، فلما وجد بطنه ريح الطعام قرقر [٧]، فضرب بيده على بطنه و قال: إنك لتقرقر لرائحة الطعام، و اللّه لأطعمت منه شيئا ثم قال: يا ربّة البيت، هل عندك شيء من صبر أو مرّ؟ قالت: تصنع به ما ذا؟ قال: أريده، فأتته منه بشيء فاقتمحه، ثم أهوى إلى بعيره فركبه، فناشدته المرأة فأبى، فقالت له: يا هذا، هل رأيت بأسا أو أنكرت شيئا؟ قال: لا و اللّه، ثم مضى و أنشأ يقول:
/
و إني لأثوي الجوع حتى يملّني
فأحيا و لم تدنس ثيابي و لا جرمي [٨]
و أصطبح الماء القراح فأكتفي
إذا الزاد أضحى للمزلّج ذا طعم [٩]
أردّ شجاع البطن قد تعلمينه
و أوثر غيري من عيالك بالطّعم [١٠]
مخافة أن أحيا برغم و ذلّة
فللموت خير من حياة على رغم
يفتدي أخاه عروة فيلطمه
: و أخبرني عمّي عن هارون بن محمد الزيات، عن أحمد بن الحارث، عن المدائني بنحو مما رواه الأصمعيّ.
[١] خلناهم: خلنا من أغرنا عليهم، ذؤيبة و حبيب: قبيلتان.
[٢] نغري الثائرين بهم: نسلطهم عليهم و نمكنهم منهم.
[٣] عدي بني حنيف: جماعة العادين منهم، و مضرس: اسم رجل من بني ليث المعدو عليهم، و شعوب: اسم رجل، و لكنه منع الصرف، لأنه في الأصل علم على المنية.
[٤] ضمير نخالهم يعود على المأسورين، النجو: ما أهمل من قطع الخشب، أو ما خرج من البطن، و الخبيث: المبعد المنحى: يقول.
سائل الشجعي عنا غداة أسرنا قومه، و ظنناهم ممن لا وزن لهم.
[٥] لعل المراد بإلقاء الثوب عليه التعرف عليه، و أنه من ليث بن بكر، لا من ذؤيبة أو حبيب.
[٦] حسام الحد: سيفا قاطع الحد، مطرورا: مسنونا، خشيبا: مسلولا، أي لو لا التعرف عليه لفتك به صهيب.
[٧] قرقر بطنه: أحدث من الجوع صوتا يشبه القرقرة.
[٨] أثوي الجوع- من أثوى-: أسكنه بطني، و الجرم: الجسد.
[٩] الماء القراح: الخالص، و اصطبحه: شربه صباحا، المزلج: الرجل الذي لا قوة له على احتمال المكروه. يقول: أكتفي بالماء القراح إذا حمل الجشع الرجل الدنيء على الزاد اللذيذ الطعم.
[١٠] الشجاع: الثعبان: شبه أمعاءه بالثعابين لما ترمى إليه من المهالك، و الطعم: الطعام، و الخطاب المرأة التي استضافته.