الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٧ - رواية ثالثة في مقتله
ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد- و هو غلام، فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنة له، فلما خلا بها الشنفري أهوى ليقبّلها، فصكّت وجهه، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليه ليقتله، فوجده و هو يقول:
/
ألا هل أتى فيتان قومي جماعة
بما لطمت كفّ الفتاة هجينها؟ [١]
و لو علمت تلك الفتاة مناسبي
و نسبتها ظلّت تقاصر دونها
أ ليس أبي خير الأواس و غيرها
و أميّ ابنة الخيرين لو تعلمينها [٢]
إذا ما أروم الودّ بيني و بينها
يؤمّ بياض الوجه منّي يمينها [٣]
قال: فلما سمع قوله سأله: ممّن هو، فقال: أنا الشنفري، أخو بني الحارث بن ربيعة، و كان من أقبح الناس وجها، فقال له: لو لا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي. فقال: عليّ إن قتلوك أن أقتل بك مائة رجل منهم، فأنكحه ابنته، و خلّى سبيله، فسار بها إلى قومه، فشدت بنو سلامان خلافه [٤] على الرجل فقتلوه، فلما بلغه ذلك سكت و لم يظهر جزعا عليه، و طفق يصنع النبل، و يجعل أفواقها من القرون و العظام، ثم إن امرأته بنت السلامانيّ قالت له ذات يوم: لقد خست [٥] بميثاق أبي عليك، فقال:
كأن قد- فلا يغررك مني تمكّثي-
سلكت طريقا بين يربغ فالسّرد [٦]
و إنّي زعيم أن تثور عجاجتي
على ذي كساء من سلامان أو برد
هم عرفوني ناشئا ذا مخيلة
أمشّي خلال الدار كالفرس الورد [٧]
كأني إذا لم يمس في الحي مالك
بتيهاء لا أهدى السّبيل و لا أهدي [٨]
/ قال: ثم غزاهم فجعل يقتلهم، و يعرفون نبله بأفواقها في قتلاهم، حتى قتل منهم تسعة و تسعين رجلا، ثم غزاهم غزوة، فنذروا به، فخرج هاربا، و خرجوا في إثره، فمر بامرأة منهم يلتمس الماء فعرفته، فأطعمته أقطا ليزيد عطشا، ثم استسقى فسقته رائبا، ثم غيّبت عنه الماء، ثم خرج من عندها، و جاءها القوم فأخبرتهم خبره، و وصفت صفته و صفة نبله، فعرفوه، فرصدوه على ركيّ لهم، و هو ركيّ ليس لهم ماء غيره، فلما جنّ عليه الليل أقبل إلى الماء، فلما دنا منه قال: إني أراكم، و ليس يرى أحدا إنما يريد بذلك أن يخرج رصدا إن كان ثمّ، فأصاخ القوم و سكتوا. و رأى سوادا، و قد كانوا أجمعوا قبل إن قتل منهم قتيل أن يمسكه الذي إلى جنبه لئلا تكون حركة، قال:
فرمى لمّا أبصر السواد، فأصاب رجلا فقلته، فلم يتحرك أحد، فلما رأى ذلك أمن في نفسه و أقبل إلى الرّكيّ،
[١] تقدم هذا البيت و ما بعده في الترجمة نفسها برواية تختلف قليلا عن هذه و المعنى لا يتغير.
[٢] الخيرين: جمع خير بعد تخفيف الياء.
[٣] يريد أنه حين يريد تقبيلها لا يضع وجهه إلا على يدها التي تتلقى بها القبلة، ثم تصفعه بها، و قد ضبطت بعض الأصول يمينها بالرفع على أنه إقواء.
[٤] خلافه: بعده، أي بعد رحيل الشنفري.
[٥] خست بالميثاق: لم تف به.
[٦] جملة
«فلا يغررك مني تمكثي»
معترضة أي، كأنني قد سلكت ... إلخ، و يربغ و السرد: مكانان يمر بهما عند ما يؤم بني سلامان.
[٧] مخيلة: خيلاء، الفرس الورد: الأحمر.
[٨] لعل مالكا هذا صهره الذي يثأر له، التيهاء: الصحراء يضل فيها السالك و يروى «بتيماء».