الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦٠ - مساجلة بينه و بين الكميت
أحسنتما إلى ابن عمكما، فجعل ينحدر إليهما، حتى اطمأنّ، و غسلتا رأسه، و فلّتاه و دهنتاه، فقال الشيخ لابنتيه:
أفلياه، و لا تدهناه إذا أتاكما هذه المرة، و اعقدا خصل لمّته إذا نعس رويدا بخمل القطيفة.
ثم إذا شددنا عليه فأقلبا القطيفة على وجهه، و خذا أنتما بشعره من ورائه فمدّا به إليكما، ففعلتا، و اجتمع له أصحابه، فكروا إلى رحالهم قبل الوقت الذي كانوا يأتونها، و شدّوا عليه، فربطوه، فدفعوه إلى عثمان بن حيّان، فقتله، فقالت بنت بهدل ترثيه:
فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه
ببطن الشّرى مثل الفنيق المسدم [١]
دعا دعوة لما أتى أرض مالك
و من لا يجب عند الحفيظة يسلم [٢]
/ أ ما كان في قيس من ابن حفيظة
من القوم طلّاب التّرات غشمشم [٣]
فيقتل جبرا بامرئ لم يكن به
بواء و لكن لا تكايل بالدم [٤]
و كان دعا: يا لمالك لينتزعوه، فلم يجبه أحد.
مساجلة بينه و بين الكميت
: قال: و لما قال عبد الرحمن بن دارة ابن عم سالم بن دارة هذه القصيدة [٥] يحضّ عكلا على بني فقعس اعترض الكميت بن معروف الفقعسيّ، فعيره بقتل سالم حين قتله زميل الفزاريّ، فقال قوله:
فلا تكثروا فيه الضّجاج فإنه
محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
فقال عبد الرحمن بن دارة:
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن
مغلغلة عنّي القبائل من عكل
جلت حمما عنها القصاف و ما جلت
قشير و في الشّدّات و الحرب ما يجلي [٦]
فإن بك باع الفقعسيّ دماءهم
بوكس فقد كانت دماؤكم تغلي [٧]
/ و كيف تنام الليل عكل و لم يكن
لها قود بالسّمهريّ و لا عقل [٨]
[١] يعتلونه: من عتله يعتله- بمعنى قاده بعنف و غلظة، الفنيق: فحل الإبل، المسدم: الهائج الممتنع ركوبه.
[٢] الحفيظة: الحرب، و يسلم- بالبناء المجهول- بمعنى يسلم نفسه لأعدائه.
[٣] الغشمشم: المقدام الذي يقتحم الحروب غير هياب، و في ف «كريمة» بدل «حفيظة».
[٤] جبر المشار إليه في البيت هو جبر بن عبيد الذي دفع بهدلا إلى السلطان فقتله، بواء: كفء، لا تكايل في الدم: لا تقدر الدماء بالكيل، و المعنى: أ ما كان في قيس رجل شجاع يقتل جبرا قاتل أبي، و إن لم يكن كفؤا له، و لو كانت الدماء تكال ما أجزأت دماء جبر في دماء أبي، و المراد بتقدير الدم الكيف لا الكم.
[٥] يعني القصيدة اللامية التي تقدم ذكرها في أول الترجمة، و يلاحظ أنه هنا يقول «يحض بها عكلا على بني فقعس، و هناك قال:
«يحض بها عكلا على بني أسد».
[٦] في البيت اضطراب و خلاف كبير في رواية ألفاظه، و الذي نرجحه في معناه هو ما يلي: القصاف: فرس مشهورة لبني قشير، الحمم: ما خمد من النيران، يقول: إن القصاف أو قدت النيران بأرضكم، و ما جلا قومها قشير عنكم، و لو أنكم شددتم في الحرب عليهم لأجليتموهم، و الكلام على سبيل التمثيل، فهو لا يريد «قشيرا» و لكن يريد «فقعسا» أو «أسدا» على الخلاف الذي تقدم ذكره.
[٧] يقول: إن يكن الفقعسي الذي أسلم ندمائي باع دماءهم رخيصة فقد كانت دماؤكم تغلي حمية لأخذ الثأر، فما بالكم لا تفعلون!.
[٨] ورد هذا البيت هنا و فيه إقواء، مع أنه تقدم سالما من هذا الإقواء، فارجع إليه و إلى بقية الأبيات في القصيدة اللامية التي تقدمت في مبدأ الترجمة.