الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٠ - سكينة بنت الحسين تجرحه و تأسوه
كان الفرزدق و أبو شقفل راويته في المسجد؛ فدخلت امرأة، فسألت عن مسألة، و توسّمت؛ فرأت هيئة أبي شقفل، فسألته عن مسألتها، فقال الفرزدق:
أبو شقفل شيخ عن الحق جائر
بباب الهدى و الرّشد غير بصير
/ فقالت المرأة: سبحان اللّه؟ أ تقول هذا لمثل هذا الشيخ؟ فقال أبو شقفل: دعيه فهو أعلم بي.
سكينة بنت الحسين تجرحه و تأسوه
: أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: حدثنا المدائنيّ، قال:
خرج الفرزدق حاجا، فمر بالمدينة، فأتى سكينة بنت الحسين صلوات اللّه عليه و آله، فقالت: يا فرزدق./ من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت؛ أشعر منك الذي يقول:
بنفسي من تجنبه عزيز
عليّ و من زيارته لمام
و من أمسي و أصبح لا أراه
و يطرقني إذا هجع النيام [١]
فقال: و اللّه لو أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. فقالت: أقيموه: فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثاني. فقالت له: يا فرزدق. من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت: أشعر منك الذي يقول:
لو لا الحياء لها جني استعبار
و لزرت قبرك و الحبيب يزار
لا يلبث القرفاء أن يتفرّقوا
ليل يكرّ عليهم و نهار
كانت إذا هجر الضجيع فراشها
كتم الحديث و عفّت الأسرار [٢]
قال: أ فأسمعك [٣] أحسن منه؟ قالت: اخرج.
ثم عاد إليها في اليوم الثالث و على رأسها جارية كأنها ظبية، فاشتد عجبه بها. فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت. أشعر منك الذي يقول:
/
إنّ العيون التي في طرفها مرض
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا [٤]
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك له
و هنّ أضعف خلق اللّه أركانا [٥]
ثم قالت: قم فاخرج. فقال لها: يا بنت رسول اللّه، إن لي عليك لحقّا. إذ كنت إنما جئت مسلّما عليك، فكان من تكذيبك إيّاي و صنيعك [٦] بي حين أردت أن أسمعك شيئا من شعري ما ضاق به صدري. و المنايا تغدو و تروح، و لا أدري، لعلي لا أفارق المدينة حتى أموت. فإن متّ فمري من يدفنني في حر هذه الجارية التي على رأسك، فضحكت سكينة، حتى كادت تخرج من ثيابها، و أمرت له بالجارية، و قالت: أحسن صحبتها؛ فقد آثرتك
[١] هذان البيتان لجرير.
[٢] و هذه الأبيات لجرير أيضا، من قصيدة يرثي فيها زوجته.
[٣] أ فأسمعك: الفاء هنا عاطفة على معطوف محذوف، أي أنشدك، فأسمعك أو نحو ذلك.
[٤] و هذان البيتان لجرير أيضا، و يعدهما مؤرخو الأدب أبرع ما قيل في الغزل، و كثير من الروايات «حور» بدل «مرض».
[٥] في كثير من الروايات «إنسانا» بدل «أركانا» ..
[٦] في هد «و منعك أن أسمعك شيئا من شعري».