الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣ - يخرجه قومه لأن إبله أصيبت بالهيام
عمر يسأل كلابا عن مبلغ بره بأبيه فيصفه له
: قال: فبكى عمر بكاء شديدا، و كتب بردّ كلاب إلى المدينة، فلما قدم دخل إليه، فقال: ما بلغ من برّك/ بأبيك؟ قال: كنت أوثره [١] و أكفيه أمره، و كنت أعتمد إذا أردت أن أحلب له لبنا أغزر ناقة في إبله و أسمنها فأريحها [٢] و أتركها حتى تستقرّ، ثم أغسل أخلافها حتى تبرد ثم أحتلب له [٢] فأسقيه.
عمر يرد كلابا عليه و يأمره أن يلزم أبويه
: فبعث/ عمر إلى أميّة من جاء به إليه، فأدخله يتهادى و قد ضعف بصره و انحنى. فقال له: كيف أنت يا أبا كلاب؟ قال: كما تراني يا أمير المؤمنين. قال: فهل لك من حاجة؟ قال: نعم، أشتهي أن أرى كلابا فأشمّه شمة، و أضمّه ضمّة قبل أن أموت. فبكى عمر، ثم قال: ستبلغ من هذا ما تحبّ إن شاء اللّه تعالى. ثم أمر كلابا أن يحتلب لأبيه ناقة كما كان يفعل، و يبعث إليه. بلبنها، ففعل فناوله عمر الإناء، و قال: دونك هذا يا أبا كلاب [٣].
فلما أخذه و أدناه إلى فمه قال: لعمر: و اللّه يا أمير المؤمنين، إني لأشمّ رائحة يدي كلاب من هذا الإناء، فبكى عمر، و قال: هذا كلاب عندك حاضرا قد جئناك به، فوثب إلى ابنه و ضمّه إليه و قبّله، و جعل عمر يبكي و من حضره، و قال لكلاب: الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا، ثم شأنك بنفسك بعدهما، و أمر له بعطائه، و صرفه مع أبيه، فلم يزل معه مقيما حتى مات أبوه.
يخرجه قومه لأن إبله أصيبت بالهيام
: و نسخت من كتاب أبي سعيد السكريّ أن أمية كانت له إبل هائمة- أي أصابها الهيام و هو داء يصيب الإبل من العطش- فأخرجته بنو بكر مخافة أن يصيب إبلهم، فقال لهم: يا بني بكر، إنما هي ثلاث ليال: ليلة بالبقعاء [٤] و ليلة بالفرع [٥]، و ليلة بلقف [٦] في سامر من بني بكر، فلم ينفعه ذلك و أخرجوه، فأتى مزينة فأجاروه، و أقام عندهم إلى أن صحّت إبله، و سكنت، فقال يمدح مزينة:
تكنّفها الهيام و أخرجوها
فما تأوى إلى إبل صحاح
/ فكان إلى مزينة منتهاها
على ما كان فيها من جناح
و ما يكن الجناح فإنّ فيها
خلائق ينتمين إلى صلاح
و يوما في بني ليث بن بكر
تراعى تحت قعقعة الرماح
فإمّا أصبحن شيخا كبيرا
وراء الدار يثقلني سلاحي
فقد آتى الصريخ إذا دعاني
على ذي منعة [٧] عتد [٨] وقاح
[١] في ب، س «أدثره». و في «المختار»: «كنت أبره».
(٢- ٢) زيادة: من هد، ف.
[٣] في ب، س «يا كلاب».
[٤] البقعاء: ماء لعبس، و قيل: مياه لبني السليط، تلقاء نجد على ٢٤ ميلا من المدينة.
[٥] الفرع: قرية من ناحية المدينة.
[٦] «لقف» موضع أيضا، و في ب، س «تلقف»، تحريف.
[٧] و في ج. ف «ميعة» و هي جري الفرس و نشاطه.
[٨] عتد أي شديد نام الخلق. و الوقاح: ذو الصلابة و في ب، س «عند»، تحريف.