الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦ - من أخبار سجاح
و اجتمعت بنو تميم كلها إليها لتنصرها. و كان فيهم الأحنف بن قيس، و حارثة بن بدر، و وجوه تميم كلها.
و كان مؤذّنها شبيب بن ربعيّ الرياحيّ، فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذاب و هو باليمامة، و قالت: يا معشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل هامة، و أضرموا فيها نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة [١].
و قالت لبني تميم: إن اللّه لم يجعل هذا الأمر في ربيعة، و إنما جعله في مضر، فاقصدوا هذا الجمع، فإذا فضضتموه كررتم على قريش. فسارت في قومها و هم الدّهم [٢] الداهم. و بلغ مسيلمة خبرها، فضاق بها ذرعا، و تحصّن في حجر حصن اليمامة. و جاءت في جيوشها فأحاطت به، فأرسل إلى وجوه قومه و قال: ما ترون؟ قالوا:
نرى أن نسلّم هذا الأمر إليها و تدعنا، فإن لم نفعل فهو البوار.
و كان مسيلمة ذا دهاء، فقال: سأنظر في هذا الأمر. ثم بعث إليها: إن اللّه- تبارك و تعالى- أنزل عليك وحيا، و أنزل عليّ. فهلمّي نجتمع، فنتدارس ما أنزل اللّه علينا، فمن عرف الحق تبعه، و اجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي و قومك.
فبعثت إليه: أفعل، فأمر بقيّة أدم فضربت، و أمر بالعود المندليّ [٣] فسجر فيها، و قال: أكثروا من الطيب و المجمر [٤]، فإنّ المرأة إذا شمت رائحة الطيب ذكرت الباه، ففعلوا ذلك.
/ و جاءها رسوله يخبرها بأمر القبّة المضروبة للاجتماع، فأتته فقالت: هات ما أنزل عليك. فقال: أ لم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نطفة تسعى، بين صفاق [٥] و حشا، من بين ذكر و أنثى، و أموات و أحيا، ثم إلى ربهم يكون المنتهى. قالت: و ما ذا؟ قال: أ لم تر أن اللّه خلقنا أفواجا، و جعل النساء لنا أزواجا، فنولج فيهن الغراميل إيلاجا، و نخرجها منهن إذا شئن إخراجا. قالت: فبأي شيء أمرك؟ قال:
ألا قومي إلى النّيك
فقد هبّي لك المضجع
فإن شئتي [٦] ففي البيت
و إن شئتي ففي المخدع
و إن شئتي سلقناك [٧]
و إن شئتي على أربع
و إن شئتي بثلثيه
و إن شئتي به أجمع
قال: فقالت: لا، إلّا به أجمع. قال: فقال: كذا أوحى اللّه إليّ، فواقعها. فلما قام عنها قالت: إن مثلي لا يجري أمرها هكذا، فيكون وصمة على قومي و عليّ، و ليكن مسلّمة النبوّة إليك، فاخطبني إلى أوليائي يزوّجوك، ثم أقود تميما معك.
فخرج و خرجت معه، فاجتمع الحيّان من حنيفة و تميم، فقالت لهم سجاح: إنه قرأ عليّ ما أنزل عليه،
[١] عبارة الطبري (٢: ٢٣٩): ... و دفوا دفيف الحمامة.
[٢] الدهم: العدد الكثير.
[٣] العود المندلي: هو المطري بالمسك و العنبر. و اللبان. منسوب إلى مندل: قرية بالهند.
[٤] المجمر: ما يوضع فيه الجمر.
[٥] الصفاق: الجلد الأسفل الذي تحث الجلد الذي عليه الشعر.
[٦] وصلت تاء الفاعل المكسورة بالياء لهجة لربيعة.
[٧] سلقها: بسطها فجامعها.