الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١ - كان بخيلا زري الهيئة
أول ما رأيت أبا تمّام أنّي دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف، و قد مدحته بقصيدتي:
أ أفاق صبّ من هوى فأفيقا
أو خان عهدا أو أطاع شفيقا؟
فسر بها أبو سعيد، و قال: أحسنت و اللّه يا فتى و أجدت، قال: و كان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كل من حضر عنده، تكاد تمسّ ركبته ركبته، فأقبل عليّ ثم قال: يا فتى، أ ما تستحي منّي! هذا شعر لي تنتحله، و تنشده بحضرتي! فقال له أبو سعيد: أ حقّا تقول! قال: نعم، و إنما علقه مني، فسبقني به إليك، و زاد فيه، ثم اندفع فأنشد أكثر هذه القصيدة، حتى شكّكني- علم اللّه- في نفسي، و بقيت متحيّرا، فأقبل عليّ أبو سعيد، فقال: يا فتى، قد كان في قرابتك منّا و ودّك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف له بكل محرجة من الأيمان أنّ الشّعر لي ما سبقني إليه أحد، و لا سمعته منه، و لا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئا، و أطرق أبو سعيد، و قطع بي، حتى تمنّيت أني سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجرّ رجليّ، فخرجت، فما هو إلا أن بلغت باب الدّار حتى خرج الغلمان فردّوني، فأقبل عليّ الرّجل، فقال: الشعر لك يا بني، و اللّه/ ما قلته قطّ، و لا سمعته إلا منك، و لكنني ظننت أنّك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا، تريد بذلك مضاهاتي و مكاثرتي، حتى عرّفني الأمير نسبك و موضعك، و لوددت ألّا تلد أبدا طائيّة إلا مثلك، و جعل أبو سعيد يضحك، و دعاني أبو تمام، و ضمّني إليه، و عانقني، و أقبل يقرّظني، و لزمته بعد ذلك، و أخذت عنه، و اقتديت به، هذه رواية من ذكرت.
إنشاد له بأبي سعيد محمد بن يوسف الثغري
: و قد حدثني عليّ بن سليمان الأخفش أيضا قال: حدثني عبد اللّه بن الحسين بن سند القطربليّ:
أن البحتريّ حدثه أنّه دخل على/ أبي سعيد محمد بن يوسف الثّغريّ، و قد مدحه بقصيدة، و قصده بها، فألقى عنده أبا تمام و قد أنشده قصيدة له فيه، فاستأذنه البحتريّ في الإنشاد و هو يومئذ حديث السّنّ، فقال له: يا غلام أ تنشدني بحضرة أبي تمّام؟ فقال: تأذن و يستمع [١]، فقام، فأنشده إياها، و أبو تمام يسمع و يهتزّ من قرنه إلى قدمه استحسانا فلما فرغ منها قال: أحسنت و اللّه يا غلام، فممّن أنت؟ قال: من طيّىء، فطرب أبو تمّام و قال: من طيّ ء، الحمد للّه على ذلك، لوددت أن كل طائية تلد مثلك، و قبّل بين عينيه، و ضمّه إليه و قال لمحمد بن يوسف:
قد جعلت له جائزتي، فأمر محمد بها، فضمّت إلى مثلها، و دفعت [٢] إلى البحتريّ، و أعطى أبا تمّام مثلها، و خصّ به، و كان مدّاحا له طول أيامه و لابنه بعده، و رثاهما بعد مقتليهما، فأجاد، و مراثيه فيهما أجود من مدائحه، و روى أنه قيل له في ذلك فقال: من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح [٣] لا كما قال الآخر- و قد سئل عن ضعف مراثيه فقال-: كنا نعمل للرّجاء، نحن نعمل اليوم للوفاء. و بينهما بعد.
كان بخيلا زري الهيئة
: حدثني حكم بن يحيى الكنتحي قال:
/ كان البحتريّ من أوسخ خلق اللّه ثوبا و آلة و أبخلهم على كل شيء [٤]، و كان له أخ و غلام معه في داره،
[١] ف، مم «تأذن و تستمع».
[٢] ف «و دفعتا».
[٣] زيادة «لا» عن مم، ف، و هي زيادة ضرورية، لأن مذهب الشاعرين على طرفي نقيض.
[٤] مم «و أبخلهم على الطعام».