الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٢ - شر أيامه
شر أيامه
: و شرّ يوم لقيت أنّي خرجت، حتى إذا كنت في بلاد ثمالة أطوف، حتى إذا كنت من القفير [١] عشيّا إذا أنا بسبع خلفات [٢] فيهن عبد، فأقبلت نحوه، و كأنّي لا أريده و حذرني فجعل يلوذ بناقة فيها حمراء، فقلت في نفسي: و اللّه إنه ليثق بها. فأفوّق له، و وضع رجله في أرجلها و جعل يدور معها، فإذا هو على عجزها. و أرميه حين أشرف فوضعت سهمي في قلبه فخرّ، و ندّت الناقة شيئا و أتبعتها فرجعت فسقتهنّ شيئا ثم قلت: و اللّه لو ركبت الناقة و طردتهنّ، و أخذت بعثنون [٣] الحمراء فوثبت، فساعة استويت عليها كرّت نحو الحيّ تريع و تبعتها الخلفات، و جعلت أسكّنها و ذهبت، فلمّا خشيت أن تطرحني في أيدي القوم رميت بنفسي عنها، فانكسرت رجلي، و انطلقت و الذّود [٤] معها. فخرجت أعرّج، حتى انخنست [٥] في طرف كثيب و جازني الطّلب،/ فمكثت مكاني حتى أظلمت، و شبّت لي ثلاثة أنوار فإذا نار عظيمة ظننت أن لها أهلا كثيرا، و نار دونها، و نويرة صغيرة، فهويت للصّغرى، و أنا أجمر [٦]، فلما نبحني الكلب نادى رجل فقال: من هذا؟ فقلت: بائس، فقال: ادنه، فدنوت و جلست و جعل يسائلني، إلى أن قال: و اللّه إني لأجد منك ريح دم. فقلت: لا و اللّه، ما بي دم. فوثب إليّ فنفضني، ثم نظر في جعبتي فإذا السهم، فقلت: رميت العشيّة أرنبا فقال كذبت، هذا ريح دم إنسان، ثم وثب إليّ و لا أدفع الشّرّ عن نفسي فأوثقني كتافا، ثم علّق جعبتي و قوسي، و طرحني في كسر البيت و نام، فلما أسحرت حرّكت رجلي، فإذا هي صالحة و انفتل الرّباط فحللته، ثم وثبت إلى قوسي و جعبتي فأخذتهما ثم هممت بقتله فقلت: أنا [٧] ضمن الرّجل، و أنا أخشى أن أطلب فأدرك و لم أقتل أحدا أحب إلي، فولّيت و مضيت. فو اللّه إني لفي الصّحراء أحدّث نفسي إذا أنا به على ناقة يتبعني، فلمّا رأيته قد دنا مني جلست على قوسي و جعبتي و أمنته، و أقبل فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم أقبل إليّ، و عهده بي عهده، فقلت له: ويلك، ما تريد منّي؟ فأقبل يشتمني، حتى إذا أمكنني، وثبت عليه فما ألبثته أن ضربت به الأرض، و بركت عليه أربطه، فجعل يصيح: يا لثمالة، لم أر كاليوم. فجنبته إلى ناقته و ركبتها، فما نزعت حتّى أحللته في الحيّ، و قلت:
أغرّك منّي يا بن فعلة علّتي
عشيّة أن رابت عليّ روائبي [٨]
و موقد نيران ثلاث فشرّها
و ألأمها إذ قدتها غير عازب [٩]
سلبت سلاحي بائسا و شتمتني
فيا خير مسلوب و يا شرّ سالب [١٠]
[١] القفير: علم على الماء.
[٢] الخلفات: جمع خلفة، و هي الناقة الحامل.
[٣] العثنون: شعيرات طوال تحت حنك الناقة أو البعير.
[٤] الذود: جماعة الإبل.
[٥] انخنس: تأخر، أي التجأ إلى طرف الكثيب.
[٦] يجمر: يشب كالجواد في القيد لأنه كان مصابا في رجله.
[٧] ضمن الرجل، يقال: جواد ضمن: متلكئ لا يسير إلا بالضرب.
[٨] فعلة: كناية عن اسم أم من يسبه. الروائب: جمع رائبة أي الحادثة المؤذية.
[٩] غير عازب: غير منصرف عنها، و في «المختار»: «و ألأمها أو قدتها غير عازب». بدل «إذ قدتها ...».
[١٠] في «المختار»:
«سللت سلاحي ...»
بدل
«سلبت ...»