الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩١ - ملاحاة بينه و بين ابن الزبير
فدونكها يا بن الزبير فإنها
مولّعة يوهي الحجارة قيلها [١]
و ما جادل الأقوام من ذي خصومة
كورهاء مشنوء إليها حليلها [٢]
فلما قدمت مكة نزلت على تماضر بنت منظور بن زبّان زوجة عبد اللّه بن الزبير، و نزل الفرزدق بحمزة بن عبد اللّه بن الزبير، و مدحه بقوله:
أمسيت قد نزلت بحمزة حاجتي
إن المنوّه باسمه الموثوق
بأبي عمارة خير من وطئ الحصا
و جرت له في الصالحين عروق
بين الحواريّ الأعزّ و هاشم
ثم الخليفة بعد و الصّدّيق [٣]
/ غنّى في هذه الأبيات ابن سريج رملا بالبنصر.
قال: فجعل أمر النّوار يقوى، و أمر الفرزدق يضعف، فقال:
أمّا بنوه فلم تقبل شفاعتهم
و شفّعت بنت منظور بن زبّانا
ملاحاة بينه و بين ابن الزبير
: و قال ابن الزبير للنّوار: إن شئت فرّقت بينكما، و قتلته، فلا يهجونا أبدا، و إن شئت سيّرته إلى بلاد العدو، فقالت: ما أريد واحدة منهما، فقال لها: فإنه ابن عمك و هو فيك راغب، فأزوّجك إياه، قالت: نعم، فزوجها منه، فكان الفرزدق يقول: خرجنا و نحن متباغضان، فعدنا متحابين.
قال: و كان الفرزدق قال لعبد اللّه بن الزبير- و قد توجه الحكم عليه- إنما تريد أن أفارقها فتثب عليها، و كان ابن الزبير حديدا [٤]، فقال له: هل أنت و قومك إلا جالية [٥] العرب؟.
ثم أمر به فأقيم، و أقبل على من حضر، فقال: إن بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة و خمسين سنة، فاستلبوه، فاجتمعت العرب عليها لما انتهكت منه ما لم ينتهكه أحد قط، فأجلتها من أرض تهامة، قال: فلقي الفرزدق بعض الناس، فقال: إيه يعيرنا ابن الزبير بالجلاء! اسمع، ثم قال:
فإن تغضب قريش أو تغضّب
فإنّ الأرض توعبها تميم [٦]
/ هم عدد النجوم و كلّ حيّ
سواهم لا تعدّ له نجوم
و لو لا بيت مكة ما ثويتم
بها صحّ المنابت و الأروم [٧]
[١] فدونكها: فخذها، و الضمير يعود إلى الأبيات، قيلها: قولها.
[٢] الورهاء: الحمقاء، مشنوء: مبغض، يقول: إنها تخاصمني إليك، و ما ذا عسى أن تسمع من حمقاء تكره بعلها؟.
[٣] يقصد أن حمزة سبط الزبير بن العوام حواري الرسول، و أنه حفيد هاشم بن عبد مناف، لأن جدته أم الزبير بنت عبد المطلب بن هاشم، و أن جدته زوجة الزبير ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق، و أن أباه الخليفة و في البيت إقواء.
[٤] حديد: سريع الغضب.
[٥] الجالية: الذين أجلوا، أي أبعدوا عن أوطانهم.
[٦] تغضب الثانية مضارع محذوف إحدى التاءين، معناه تتظاهر بالغضب، توعبها: تأخذها أجمع، و لا تترك منها شيئا.
[٧] ثويتم: أقمتم. الأروم: جمع أرومة و هي الأصل.