الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٢ - ملاحاة بينه و بين السري
أم جعفر و اللّه بعض عبيد الزّرانيق [١] فقلنا له: فأنشدنا بعض ما أحدثت به، فأنشدنا قوله:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل
حذر العدا و به الفؤاد موكّل
حتى أتى على آخرها، فقلت لكثير: قاتله اللّه، ما أشعره، لو لا ما أفسد به نفسه، قال: ليس هذا إفسادا، هذا خسف إلى التّخوم، فقلت: صدقت، و انصرفنا من عنده، فقال: أين تريد؟ فقلت: إن شئت فمنزلي، و أحملك على البغلة، و أهب لك المطرف، و إن شئت فمنزلك و لا أرزؤك شيئا، فقال: بل منزلي، و أبذل لك ما قدرت عليه، و انصرفنا إلى منزله، فجعل يحدثني و ينشدني حتى جاءت الظّهر، فدعا لي بعشرين/ دينارا و قال: استعن بهذه يا أبا فرس على مقدمك، قلت: هذا أشد من حملان بني زريق، قال: و اللّه إنك ما تأنف من أخذ هذا من أحد، غير الخليفة، قال الفرزدق: فجعلت أقول في نفسي: تاللّه إنه لمن قريش، و هممت ألا أقبل منه. فدعتني نفسي- و هي طمعة- إلى أخذها منه، فأخذتها.
من هي الجعراء؟
معنى قول كثيّر للفرزدق: يا بن الجعراء: يعيّره بدغة، و هي أم عمرو بن تميم، و بها يضرب المثل في الحماقة، فيقال: هي أحمق من دغة، و كانت حاملا، فدخلت الخلاء، فولدت، و هي لا تعلم ما الولد، و خرجت و سلاها [٢] بين رجليها، و قد استهل ولدها، فقالت: يا جارتا، أ يفتح الجعر فاه [٣] فقالت جارتها: نعم يا حمقاء، و يدعو أباه، فبنو تميم يعيّرون بذلك، و يقال للمنسوب منهم: يا بن الجعراء.
ملاحاة بينه و بين السريّ
: أخبرني الحرميّ، عن الزبير قال: حدّثني سليمان بن داود المجمعيّ: قال:
اجتاز السّريّ بن عبد الرّحمن بن عتبة بن عويمر بن ساعدة الأنصاريّ بالأحوص و هو ينشد قوله:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل
فقال السّريّ:
يا بيت عاتكة المنوّة باسمه
اقعد على من تحت سقفك و اعجل
فواثبه الأحوص، و قال في ذلك:
فأنت و شتمي في أكاريس [٤] مالك
و سبّي به كالكلب إذ ينبح النّجما
/ تداعى [٥] إلى زيد و ما أنت منهم
تحقّ أبا إلّا الولاء و لا أمّا
و إنّك لو عدّدت أحساب مالك
و أيامها فيها و لم تنطق الرّجما
أعادتك عبدا أو تنقّلت كاذبا [٦]
تلمّس في حيّ سوى مالك جذما
[١] الزرنوق: النهر الصغير، و تزرنق: استقى على الزرنوق بالأجرة، فالمراد بعبيد الزرانيق الذين يكرون للسقي.
[٢] السلا: جلدة يكون فيها الولد من الناس و المواشي.
[٣] الجعر: ما يبس من العذرة.
[٤] الأكاريس: جمع أكراس، و أكراس جمع كرس بمعنى الجماعة، و في مو «و سبّي له».
[٥] تداعى: مضارع حذفت منه إحدى التاءين، و في ف «تدعى»، و المعنى على كليهما: تنسب إلى زيد و لست منهم.
[٦] ب «أعادتك عبدا و انتقلت مكذبا».