الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٣ - أبوه يعطي دون أن يسأل
بناقتين عشراوين و جمل، فهل لي في ذلك من أجر يا رسول اللّه؟ فقال عليه السلام: هذا باب من البر، و لك أجره إذ منّ اللّه عليك بالإسلام، قال عباد: و مصداق ذلك قول الفرزدق:
و جدّي الذي منع الوائدات
و أحيا الوئيد فلم يوأد [١]
أخبرني محمد بن يحيى، عن الغلّابيّ، عن العباس بن بكار، عن أبي بكر الهذليّ قال:
وفد صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في وفد من تميم، و كان صعصعة قد منع الوئيد في الجاهلية، فلم يدع تميما تئد، و هو يقدر على ذلك، فجاء الإسلام و قد/ فدى أربعمائة جارية، فقال للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم:
أوصني، فقال: أوصيك بأمك و أبيك و أخيك و أختك و إمائك، قال: زدني، قال: احفظ ما بين لحييك [٢]، و ما بين رجليك.
/ ثم قال له عليه السلام: ما شيء بلغني عنك فعلته؟ قال: يا رسول اللّه رأيت الناس يموجون على غير وجه، و لم أدر أين الوجه، غير أني علمت أنهم ليسوا عليه، و رأيتهم يئدون بناتهم، فعلمت أنّ ربّهم لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم يئدون، و فديت من قدرت عليه.
و روى أبو عبيدة أنه قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: إني حملت حمالات في الجاهلية و الإسلام، و عليّ منها ألف بعير، فأديت من ذلك سبعمائة، فقال له: إن الإسلام أمر بالوفاء، و نهى عن الغدر، فقال: حسبي حسبي، و وفّى بها.
و روي أنه إنما قال هذا القول لعمر بن الخطاب، و قد وفد إليه في خلافته.
و كان صعصعة شاعرا و هو الذي يقول: أنشدنيه محمد بن يحيى له:
إذا المرء عادى من يودّك صدره
و كان لمن عاداك خدنا مصافيا
فلا تسألن عما لديه فإنّه
هو الداء لا يخفي بذلك خافيا [٣]
أبوه يعطي دون أن يسأل
: أخبرني محمد بن يحيى، عن محمد بن زكريا؛ عن عبد اللّه بن الضحاك، عن الهيثم بن عديّ، عن عوانة قال:
تراهن نفر من كلب ثلاثة على أن يختاروا من تميم و بكر نفرا ليسائلوهم، فأيّهم أعطى، و لم يسألهم عن نسبهم من هم؟ فهو أفضلهم، فاختار كل رجل منهم رجلا؛ و الذين اختيروا عمير بن السليك [٤]، بن قيس بن مسعود الشيبانيّ، و طلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ، و غالب بن صعصعة المجاشعيّ أبو الفرزدق، فأتوا ابن السّليك فسألوه مائة ناقة، فقال: من أنتم؟ فانصرفوا عنه.
ثم أتوا طلبة بن قيس، فقال لهم مثل قول الشيبانيّ، فأتوا غالبا، فسألوه،/ فأعطاهم مائة ناقة و راعيها، و لم يسألهم من هم فساروا بها ليلة، ثم ردّوها، و أخذ صاحب غالب الرّهن، و في ذلك يقول الفرزدق:
[١] في هج «و المختار» «الوائدين» بدل الوائدات و المعنى و الوزن لا يتغير.
[٢] يعني لسانك.
[٣] يريد أن يقول: إن صديق عدوك و عدو صديقك عدو لك.
[٤] في هج «عمر بن السلوك» و في هد: عمر بن السليل».