الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣١ - عائذة بقبر أبيه
فأقام الفرزدق بالمدينة؛ فكان يدخل بها على القيان. فقال:
إذا شئت غنّاني من العاج قاصف
على معصم ريّان لم يتخدّد [١]
/ لبيضاء من أهل المدينة لم تعش
ببؤس و لم تتبع حمولة مجحد [٢]
و قامت تخشّيني زيادا و أجفلت
حواليّ في بردي يمان و مجسد [٣]
فقلت: دعيني من زياد فإنّني
أرى الموت وقّاعا على كل مرصد
بينه و بين مسكين الدارامي
: فلما هلك زياد رثاه مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عدي بن عدس بن عبد اللّه بن دارم، فقال:
/
رأيت زيادة الإسلام ولّت
جهارا حين فارقها زياد
فبلغ ذلك الفرزدق، فقال:
أمسكين أبكى اللّه عينيك إنّما
جرى في ضلال دمعها فتحدّرا [٤]
أ تبكي امرأ من آل ميسان كافرا
ككسرى على عدّانه أو كقيصرا
أقول له لما أتاني نعيّه:
به لا بظبي بالصّريمة أعفرا
فقال مسكين:
ألا أيها المرء الذي لست قائما
و لا قاعدا في القوم إلّا انبرى ليا
فجئني بعمّ مثل عمّي أو أب
كمثل أبي أو خال صدق كخاليا
بعمرو بن عمرو أوزارة ذي الندى
سموت به حتى فرعت الرّوابيا
فأمسك الفرزدق عنه، و كان يقول: نجوت من أن يهجوني مسكين، فإن أجبته ذهبت بشطر فخري، و إن أمسكت عنه كانت و صمة على مدى الدهر.
عائذة بقبر أبيه
: أخبرني [٥] أبو خليفة، فقال: أخبرنا ابن سلام، قال: حدثني الحكم بن محمد المازني، قال: كان تميم بن زيد القضاعي، ثمّ أحد بني القين بن جسر غزا الهند في جيش، فجمّرهم [٦]؛ و في جيشه رجل يقال له حبيش، فلما طالت غيبته على أمه اشتاقته، فسألت عمن يكلم لها تميم بن زيد أن يقفل ابنها، فقيل لها: عليك بالفرزدق، فاستجيري بقبر أبيه، فأتت قبر غالب بكاظمة، حتى علم الفرزدق مكانها.
[١] قاصف من العاج: مزهر أو نحوه من آلات الغناء متخذ من العاج، و هو من القصف بمعنى اللهو، على معصم ريان لم يتخدد: على معصم ممتلئ أملس لا تشقق فيه.
[٢] المجحد: القليل الخير، يريد أنها جارية ناشئة في نعمة.
[٣] مجسد: مطلي بالجساد، و هو الزعفران أو العصفر و نحوهما مما كانوا يطلون به الثياب، تخشيني زيادا: تخوفني إياه.
[٤] تقدمت هذه الأبيات في الترجمة نفسها، فارجع إليها.
[٥] هذا الخبر و الخبران اللذان بعده ساقطة من الأصل، و قد نقلناها من هد، هج.
[٦] جمرهم: أطال مدة غزوهم.