الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٦ - هو و الحسن في جنازة النوار
و قال جرير لما بلغه موت الفرزدق: قلّما تصاول فحلان، فمات أحدهما إلا أسرع لحاق الآخر به.
و رثاهما جماعة، فمنهم أبو ليلى الأبيض [١]، من بني الأبيض بن مجاشع فقال فيهما:
لعمري لئن قرما تميم تتابعا
مجيبين للدّاعي الذي قد دعاهما
لربّ عدوّ فرّق الدهر بينه
و بينهما لم تشوه ضغمتاهما [٢]
يتراءى في المنام
: أخبرني ابن عمار، عن يعقوب بن إسرائيل، عن قعنب بن المحرز الباهلي، عن الأصمعي، عن جرير يعني أبا حازم [٣] قال:
رئي الفرزدق و جرير في النوم، فرئي الفرزدق بخير، و جرير معلّق [٤].
قال قعنب: و أخبرني الأصمعيّ، عن روح الطائيّ [٥]، قال:
رئيّ الفرزدق في النوم، فذكر/ أنه غفر له بتكبيرة كبّرها في المقبرة عند قبر غالب.
/ قال قعنب: و أخبرني أبو عبيدة النحويّ و كيسان بن المعروف النحوي، عن لبطة بن الفرزدق، قال:
رأيت أبي فيما يرى النائم، فقلت له: ما فعل اللّه بك؟ قال. نفعتني الكلمة التي نازعنيها [٦] الحسن على القبر.
هو و الحسن في جنازة النوار
: أخبرني وكيع، عن محمد بن إسماعيل الحسانيّ، عن عليّ بن عاصم، عن سفيان بن الحسن، و أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام- و الرواية قريب بعضها من بعض-: أنّ النّوار لما حضرها الموت أوصت الفرزدق- و هو ابن عمها- أن يصلّي عليها الحسن البصريّ، فأخبره الفرزدق، فقال: إذا فرغتم منها فأعلمني، و أخرجت، و جاءها الحسن، و سبقهما الناس، فانتظروهما، فأقبلا، و الناس ينتظرون، فقال الحسن: ما للناس؟ فقال: ينتظرون خير الناس و شرّ الناس، فقال: إنّي لست بخيرهم، و لست بشرهم، و قال له الحسن على قبرها: ما أعددت لهذا المضجع، فقال: شهادة أن لا إله إلا اللّه منذ سبعين سنة.
هذا لفظ محمد بن سلّام. و قال وكيع في خبره: فتشاغل الفرزدق بدفنها، و جلس الحسن يعظ الناس، فلما فرغ الفرزدق وقف على حلقة [٧] الحسن، و قال:
[١] في هج «الأبيضي» بدل «الأبيض».
[٢] في الأصل
«لم يثوه ضيفاهما»
و لا معنى له، فضلا عن اختلال وزن البيت.
و في هد:
«لم تشوه صحفتاهما»
و ليس بشيء، و في هج:
«لم تشوه صنعتاهما»
و ليس بشيء أيضا، و الذي نرجحه
«لم تشوه ضغمتاهما»
من أشوى الصائد الصيد: أخطأه، و الضغمة: العض العنيف، و المعنى: أن يموتا فرب عدو عضّناه، فلم يخطئا مقتله، و ربما كانت
«لم تشوه صعدتاهما»
و الصعدة: الرمح.
[٣] في هد، هج «ابن حازم» بدل «أبا حازم».
[٤] في هد، هج «محتبس» بدل «معلق».
[٥] في هد «الكلبي» بدل «الطائي».
[٦] يعنى بهذه الكلمة «شهادة أن لا إله إلا اللّه منذ سبعين عاما» على نحو ما سيأتي تفصيله فيما بعد.
[٧] ب «على حلقة الناس».