الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥ - أبو تمام يلقن البحتري درسا في الاستطراد
أخجلتني بندى يديك فسوّدت
ما بيننا تلك اليد البيضاء [١]
و قطعتني بالبرّ حتى إنني
متوهّم أن لا يكون لقاء
صلة غدت في الناس و هي قطيعة
عجبا و برّ راح و هو جفاء
ليواصلنّك ركب شعري سائرا
تهدى به في مدحك الأعداء [٢]
حتى يتمّ لك الثّناء مخلّدا
أبدا كما دامت لك النّعماء
فتظلّ تحسدك الملوك الصيد بي
و أظلّ يحسدني بك الشّعراء
كان موته بالسكتة
: أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش: قال: سألني القاسم بن عبيد اللّه عن خبر البحتريّ، و قد كان أسكت، و مات من تلك العلّة، فأخبرته بوفاته، و أنه مات في تلك السّكتة، فقال: ويحه رمي في أحسنه [٣].
أبو تمام يلقن البحتري درسا في الاستطراد
: أخبرني محمد بن يحيى: قال: حدثني محمد بن عليّ الأنباريّ: قال:
سمعت البحتريّ يقول: أنشدني أبو تمام يوما لنفسه:
و سابح هطل التّعداء هتّان
على الجراء أمين غير خوّان [٤]
أظمي الفصوص و لم تظمأ قوائمه
فخلّ عينيك في ظمآن ريّان [٥]
فلو تراه مشيحا و الحصى زيم [٦]
بين السّنابك من مثنّى و وحدان
أيقنت إن لم تثبّت أنّ حافره
من صخر تدمر أو من وجه عثمان [٧]
ثم قال لي: ما هذا الشعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا هو المستطرد، أو قال الاستطراد. قلت: و ما معنى ذلك؟ قال: يريك أنه يريد وصف الفرس و هو يريد هجاء عثمان، و قد فعل البحتري ذلك، فقال في صفة الفرس:
ما إن يعاف قذى و لو أوردته
يوما خلائق حمدويه الأحول
و كان حمدويه الأحول عدوّا لمحمد بن علي القمّي الممتدح بهذه القصيدة فهجاه في عرض مدحه محمدا.
و اللّه أعلم.
[١] لعله يريد بتسويد النعمة البيضاء، ما فرط منه من تجميشه للغلام، أو يريد أن هذه النعمة جعلته له رقيقا على حد قول الشاعر:
كلما قلت أعتق اللّه رقي
صيرتني له المكارم عبدا
[٢] في ب «لأوصلنك». و في مم «تهذي» بدل «تهدي» و في «المختار»: «يرويه فيك لحسنه الأعداء».
[٣] لعله يريد بأحسن ما فيه، لسانه.
[٤] ب «الشعراء» بدل «التعداء» و هو تحريف، و الجراء: جمع جرو، و هو ولد الكلب و كل سبع.
[٥] الفصوص: المفاصل، و ظمؤها: ضمورها، و جر «ريان» و كذا عثمان في البيت الأخير لضرورة الشعر، و في «المختار: «فجل بعينيك في ظمآن ريان».
[٦] زيم: جمع زيمة، و هو القطعة من الشيء.
[٧] تثبت: فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين. و تدمر: قال ياقوت: تدمر: مدينة قديمة مشهورة في برية الشام، و المقصود وصف وجه عثمان بالصفافة، حتى كأنه قطعة قدت من صخر، و عثمان هو عثمان بن إدريس.