الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣ - خبره مع محمد بن علي القمي و غلامه
قدم البحتريّ النّيل [١] على أحمد/ بن عليّ الإسكافيّ مادحا له، فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدّته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها:
ما كسبنا من أحمد بن عليّ
و من النّيل غير حمى النّيل
و هجاه بقصيدة أخرى أولها:
قصّة النّيل فاسمعوها عجابه
فجمع إلى هجائه إياه هجاء أبي ثوابة، و بلغ ذلك أبي، فبعث إليه بألف درهم و ثياب و دابّة بسرجها و لجامها، فردّه إليه، و قال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول رفدكم [٢]، فكتب إليه أبي: أمّا الإساءة فمغفورة و أما المعذرة فمشكورة، و الحسنات/ يذهبن السيئات، و ما يأسو جراحك مثل يدك. و قد رددت إليك ما رددته عليّ، و أضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا و شكرنا، و إن لم تفعل احتملنا و صبرنا. فقبل ما بعث به، و كتب إليه: كلامك و اللّه أحسن من شعري، و قد أسلفتني ما أخجلني، و حمّلتني ما أثقلني، و سيأتيك ثنائي. ثم غدا إليه بقصيدة أولها:
ضلال لها ما ذا أرادت إلى الصّد
و قال فيه بعد ذلك:
برق أضاء العقيق من ضرمه
و قال فيه أيضا:
دان دعا داعي الصّبا فأجابه
قال: و لم يزل أبي يصله بعد ذلك، و يتابع برّه لديه حتى افترقا.
شعره في نسيم غلامه
: أخبرني جحظة قال:
كان نسيم غلام البحتريّ الذي يقول فيه:
دعا عبرتي تجري على الجور و القصد
أظنّ نسيما قارف الهمّ من بعدي
خلا ناظري من طيفه بعد شخصه
فيا عجبا للدّهر فقد [٣] على فقد
غلاما روميّا ليس بحسن الوجه، و كان قد جعله بابا من أبواب الحيل على النّاس، فكان يبيعه و يعتمد أن يصيّره إلى ملك بعض أهل المروءات و من ينفق عنده الأدب، فإذا حصل في ملكه شبّب به، و تشوّقه، و مدح مولاه، حتى يهبه له، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم، فكفي النّاس أمره.
خبره مع محمد بن علي القمي و غلامه:
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال:
[١] النيل: بليدة في سواد الكوفة، و نهر من أنهار الرقة، عن «معجم ياقوت».
[٢] ف «صلتكم».
[٣] فقد بالرفع على أنها خبر لمبتدإ محذوف، و في ف: فقدا بالنصب على الحالية.