الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٣ - عمر بن عبد العزيز يجيره، ثم ينفيه
الفرزدق: اللّه [١] اللّه أيها الأمير فيّ، أنا في جوارك و ذمتك؛ فمنع عنه ابن أبي علقمة، فلما خرج قال: قاتل اللّه مجنونهم؛ و اللّه لو مسّ ثوبه ثوبي لقام بها جرير و قعد؛ و فضحني في العرب فلم يبق لي فيهم باقية.
و أخبرني بنحو هذا الخبر حبيب المهلبيّ، عن ابن شبة، عن محمد بن يحيى، عن عبد الحميد، عن أبيه، عن جده: قال أبو زيد: و أخبرني أبو عاصم عن الحسن بن دينار، قال: قال لي الفرزدق:
/ ما مر بي يوم قط أشدّ عليّ من يوم دخلت فيه على أبي عيينة بن المهلب- و كان يوما شديد الحر- فما منّا أحد إلا جلس في أبزن [٢]. فقلنا له: إن أردت أن تنفعنا فابعث إلى ابن أبي علقمة، فقال: لا تريدوه؛ فإنه يكدّر علينا مجلسنا، فقلنا: لا بد منه، فأرسل إليه، فلما دخل فرآني؛ قال الفرزدق و اللّه. و وثب إليّ، و قد أنعظ أيره، و جعل يصيح: و اللّه لأنيكنّه؛ فقلت لأبي عيينة: اللّه اللّه فيّ، أنا في جوارك، فو اللّه لئن دنا إليّ لا تبقى له باقية مع جرير؛ فلم يتكلم أبو عيينة؛ و لم تكن لي همة إلا أن عدوت حتى صعدت إلى السطح، فاقتحمت الحائط، فقيل له:
و لا يوم زياد [٣] كان مثل يومئذ، فقال: و لا مثل يوم زياد [٣].
عمر بن عبد العزيز يجيره، ثم ينفيه
: أخبرني عمي، عن ابن أبي سعد، عن أحمد بن عمر، عن إسحاق بن مروان مولى جهينة و كان يقال له: كوزا الرواية؛ قال أحمد بن عمر: و أخبرني عثمان بن خالد العثماني [٤]:
أن الفرزدق قدم المدينة في سنة مجدبة حصّاء [٥] فمشى أهل المدينة إلى عمر بن عبد العزيز، فقالوا له: أيها الأمير، إن الفرزدق قدم مدينتنا هذه في هذه السنة الجدبة التي أهلكت عامة الأموال التي لأهل المدينة، و ليس عند أحد منهم ما يعطيه شاعرا، فلو أن الأمير بعث إليه، فأرضاه، و تقدم إليه [٦] ألا يعرض لأحد بمدح و لا هجاء؛ فبعث إليه عمر: إنك يا فرزدق قدمت مدينتنا هذه في هذه السنة الجدبة، و ليس عند أحد ما يعطيه شاعرا، و قد أمرت لك بأربعة آلاف درهم؛ فخذها، و لا تعرض لأحد/ بمدح و لا هجاء، فأخذها الفرزدق، و مرّ بعبد اللّه بن عمرو بن عثمان، و هو جالس في سقيفة داره، و عليه مطرف [٧] خزّ أحمر و جبّة خزّ أحمر، فوقف عليه، و قال:
أعبد اللّه أنت أحقّ ماش
و ساع بالجماهير الكبار
نما الفاروق أمّك و ابن أروى
أبوك فأنت منصدع النّهار [٨]
هما قمرا السماء و أنت نجم
به في الليل يدلج كلّ سار
[١] اللّه: مفعول فعل محذوف تقديره «ارع» أو «اتق» و نحو ذلك.
[٢] الأبزن: حوض يشبه «البانيو» عندنا، كان يتخذ من المعدن و نحوه للاستحمام، و هو لفظ معرب.
(٣- ٣) التكملة من هد، هج، و قد تقدم أن زيادا طرده، و أنه هجا مسكينا الدارمي لرثائه آياه في الأبيات التي يقول فيها:
«به لا بظبي في الصريمة أعفرا»
. [٤] في هد، هج «عمر بن خالد العماني».
[٥] الحصاء: السنة الجرداء لا خير فيها.
[٦] تقدم إليه: أمره، أو طلب منه.
[٧] المطرف- بكسر الميم و ضمها مع سكون الطاء و فتح الراء- رداء من خز مربع ذو أعلام.
[٨] يريد أنه ينسب إلى الخليفتين عمر و عثمان، منصدع: مصدر ميمي، أو اسم مكان من الصدع، بمعنى انشق و تبلج، و أروى: أم عثمان بن عفان.