الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٩ - قصته مع بجيلة
منهما، إلى العين، فلما وقفا عليها قال تأبط شرّا لابن برّاق: أقلّ من الشّراب فإنها ليلة طرد، قال: و ما يدريك؟
قال: و الذي أعدو بطيره، إنّي لأسمع وجيب قلوب الرجال تحت قدميّ. و كان من أسمع العرب و أكيدهم. فقال له ابن برّاق: ذلك و جيب قلبك. فقال له تأبّط شرّا: و اللّه ما وجب قطّ، و لا كان وجّابا، و ضرب بيده عليه، و أصاخ نحو الأرض يستمع/ فقال: و الذي أعدو بطيره، إني لأسمع وجيب قلوب الرّجال، فقال له ابن برّاق: فأنا أنزل قبلك، فنزل فبرك و شرب و كان أكلّ القوم عند بجيلة شوكة [١]، فتركوه و هم في الظّلمة، و نزل ثابت، فلما توسط الماء وثبوا عليه، فأخذوه و أخرجوه من العين مكتوفا، و ابن برّاق قريب منهم لا يطمعون فيه لما يعلمون من عدوه، فقال لهم ثابت: إنه من أصلف الناس و أشدّهم عجبا بعدوه، و سأقول له: استأسر معي، فسيدعوه عجبه بعدوه إلى أن يعدو من بين أيديكم، و له ثلاثة أطلاق: أولها كالرّيح الهابّة، و الثاني كالفرس الجواد، و الثالث يكبو فيه و يعثر، فإذا رأيتم منه ذلك فخذوه فإني أحب أن يصير في أيديكم كما صرت إذ خالفني و لم يقبل رأيي و نصحي له، قالوا:
فافعل، فصاح به تأبط شرّا: أنت أخي في الشدّة و الرّخاء، و قد وعدني القوم أن يمنّوا عليك و عليّ، فاستأسر، و واسني بنفسك في الشدة، كما كنت أخي في الرخاء، فضحك ابن برّاق، و علم أنه قد كادهم، و قال: مهلا يا ثابت، أيستأسر من عنده/ هذا العدو؟ ثم عدا فعدا أول طلق مثل الريح الهابة كما وصف لهم، و الثاني كالفرس الجواد، و الثالث جعل يكبو و يعثر و يقع على وجهه. فقال ثابت: خذوه، فعدوا بأجمعهم، فلما أن نفّسهم عنه شيئا عدا تأبط شرّا في كتافه، و عارضه ابن برّاق، فقطع كتافه، و أفلتا جميعا [٢]، فقال تأبط شرّا قصيدته القافية في ذلك [٢]:
يا عيد مالك من شوق و إبراق
و مرّ طيف على الأهوال طرّاق
يسري على الأين و الحيّات محتفيا
نفسي فداؤك من سار على ساق [٣]
طيف ابنة الحرّ إذ كنّا نواصلها
ثم اجتنبت بها من بعد تفراق [٤]
/ لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندم
إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقي [٥]
تاللّه آمن أنثى بعد ما حلفت
أسماء باللّه من عهد و ميثاق [٦]
ممزوجة الودّ بينا واصلت صرمت
الأوّل اللّذ مضى و الآخر الباقي
فالأوّل اللّذ مضى قال مودّتها
و اللّذّ منها هذاء غير إحقاق [٧]
تعطيك وعد أمانيّ تغرّ به
كالقطر مرّ على صخبان برّاق [٨]
إنّي إذا خلّة ضنّت بنائلها
و أمسكت بضعيف الحبل أحذاق [٩]
[١] أكل القوم عند بجيلة شوكة، يريد صغر شأنه عند بجيلة، لذلك تركته و اتجهت إلى تأبط شرا و في «المختار»: «و كان ألد القوم» ...
(٢- ٢) تكملة من «المختار».
[٣] الأين: الحية أو الذكر من الحيات، و الأين أيضا: التعب و الإعياء. و محتفيا: حافيا.
[٤] هذا البيت ليس في «الأغاني» و هو في «المختار».
[٥] جاء هذا البيت في «المفضليات» آخر القصيدة.
[٦] لم يرد هذا البيت في «الأغاني» أو «المفضليات» و جاء في «المختار».
[٧] اللذ: بمعنى الذي، و الهذاء: الهذيان، و لم يرد هذا البيت أيضا في «المفضليات» أو «الأغاني» و لكنه في «مختار الأغاني».
[٨] الصخبان: الشديد الصخب، و لم يرد البيت في «الأغاني» أو «المفضليات» و لكنه في «مختار الأغاني».
[٩] حبل أحذاق: قطع، و جاء البيت في قصيدة «المفضليات» الثالث في الترتيب.