الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٧٠
فإن قلت: فإنّ الإضافة في قوله: حين هاج الصّنّبر، إنما هي إلى الفعل لا إلى الفاعل، فكيف حرفت غير المضاف إليه؟.
قيل: الفعل مع الفاعل كالجزء الواحد، و أقوى الجزأين منهما هو الفاعل. فكأن الإضافة إنما هي إليه، لا إلى الفعل، فلذلك جاز أن يتصوّر فيه معنى الجرّ.
فإن قلت: فأنت إذا أضفت المصدر إلى الفاعل جررته في اللفظ، و اعتقدت مع هذا أنه في المعنى مرفوع، فإذا كان في اللفظ أيضا مرفوعا، فكيف يسوغ لك- بعد حصوله في موضعه من استحقاقه الرفع لفظا و معنى- أن تحوّر به فتتوهّمه مجرورا؟.
قيل: هذا الذي أردناه و تصوّرناه هو مؤكّد للمعنى الأول، لأنك كما تصوّرت في المجرور معنى الرفع كذلك تمّمت حال الشبه بينهما، فتصوّرت في المرفوع معنى الجرّ.
ألا ترى أنّ سيبويه [١] لما شبّه الضّارب الرجل بالحسن الوجه، و تمثّل ذلك في نفسه و رسا في تصوره زاد في تمكين هذه الحال له، و تثبيتها عليه بأن عاد فشبّه الحسن الوجه بالضارب الرجل في الجرّ، كلّ ذلك تفعله العرب، و تعتقده العلماء في الأمرين، ليقوى تشابههما، و تعمر ذات بينهما.
و من ذلك قولهم في قول العرب: كلّ رجل و صنعته، و أنت و شأنك معناه: أنت مع شأنك، و كلّ رجل مع صنعته، فهذا يوهم من أمم أنّ الثاني خبر عن الأول. كما أنه إذ قال: أنت مع شأنك، فإن قوله مع شأنك خبر عن أنت. و ليس الأمر كذلك، بل لعمري إنّ المعنى عليه، غير أنّ تقدير الإعراب على غيره، و إنّما شأنك معطوف على أنت، و الخبر محذوف للحمل على المعنى. فكأنه قال: كلّ رجل و صنعته مقرونان، و أنت و شأنك مصطحبان. و عليه جاء العطف بالنصب مع أن، كما قال: [الطويل]
[٣٢٥]- أغار على معزاي لم يدر أنّني
و صفراء منها عبلة الصّفرات
و من ذلك قولهم: أنت ظالم إن فعلت. ألا تراهم يقولون في معناه: إن فعلت فأنت ظالم، فهذا ربما أوهم أنّ أنت ظالم جواب مقدّم، و معاذ اللّه أن يقدّم جواب الشرط. و إنما قوله: أنت ظالم دالّ على الجواب، و سادّ مسدّه، فأما أن يكون هو الجواب فلا.
[١] انظر الكتاب (١/ ٢٦٣).
[٣٢٥] - الشاهد بلا نسبة في الخصائص (١/ ٢٨٣)، و اللسان (معز)، و فيهما (الصّفوات) بدل (الصفرات).