الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٦٩
أهلك و الليل معناه: الحق أهلك قبل الليل [١]، فربّما دعا ذلك من لا دربة له إلى أن يقول: أهلك و الليل فيجرّه، و إنما تقديره الحق أهلك و سابق الليل. و كذلك قولنا:
زيد قام، ربّما ظنّ بعضهم أنّ زيدا هنا فاعل في الصنعة، كما أنه فاعل في المعنى، و كذلك تفسير معنى قولنا: سرّني قيام هذا و قعود ذاك، بأنه سرني أن قام هذا، و أن قعد ذاك، و ربما اعتقد في هذا و ذاك أنهما في موضع رفع لأنهما فاعلان في المعنى.
و لا تستصغر هذا الموضع، فإن العرب قد مرّت به، و شمّت روائحه، و راعته. و ذلك أن الأصمعي أنشد شعرا ممدودا مقيّدا، التزم الشاعر فيه أن يجعل قوافيه كلّها في موضع جرّ إلا بيتا واحدا، و هو: [الرجز]
[٣٢٣]- يستمسكون من حذار الإلقاء
بتلعات كجذوع الصّيصاء
ردي ردي ورد قطاة صماء
كدريّة أعجبها برد الماء
فطرد قوافيها كلّها على الجرّ إلا بيتا واحدا، و هو قوله:
كأنّها و قد رآها الرّؤّاء
و الذي سوّغه ذلك- على ما التزمه في جميع القوافي- ما كان على سمته من القول، و ذلك أنّه لمّا كان معناه: كأنها في وقت رؤية الرؤاء، و على حال رؤية الرؤاء، تصوّر معنى الجر من هذا الموضع، فجاز أن يخلط هذا البيت بسائر الأبيات، و كأنه، لذلك، لم يخالف. و نظير هذا عندي قول طرفة: [الرمل]
[٣٢٤]- في جفان تعتري نادينا
و سديف حين هاج الصّنّبر
يريد الصّنّبر- فاحتاج في القافية إلى تحريك الباء، فتطرق إلى ذلك بنقل حركة الإعراب إليها، تشبيها بباب قولهم: هذا بكر، و مررت ببكر، و كان يجب على هذا أن يضمّ الباء فيقول: الصنبر، لأن الراء مضمومة، إلا أنه تصوّر معنى إضافة الظرف إلى الفعل، فصار إلى أنه كأنه قال: حين هيج الصنبر، فلما احتاج إلى حركة الباء تصوّر معنى الجرّ، فكسر الباء، و كأنه قد نقل الكسرة عن الراء إليها. و لو لا ما أوردته من هذا لكان الضمّ مكان الكسر، و هذا أقرب مأخذا من أن تقول: إنه حرف القافية للضرورة.
[١] انظر الكتاب (١/ ٣٣١).
[٣٢٣] - الرجز لغيلان الربعي في لسان العرب (تلع)، و الخصائص (١/ ٢٨٠)، و تاج العروس (تلع)، و بلا نسبة في لسان العرب (لقا)، و جمهرة اللغة (ص ٢٤٢).
[٣٢٤] - الشاهد لطرفة في ديوانه (ص ٥٦)، و لسان العرب (صنبر)، و تهذيب اللغة (١٢/ ٢٧١)، و تاج العروس (صنبر)، و الخصائص (١/ ٢٨١).