موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٨٥
حينما كنا لم يترك بعضنا بعضاً ، ولم ينتهره بالطرد .. كنّا يومئذ نعيش سوية إلى جانب بعضنا ، لكننا كنا لا نبالي أحدنا الآخر ، الكل كان يحيا لنفسه ومن اجل نفسه.. كنا سوية نتقاسم الوحدة والعزلة ، ولعلي لا أغالي إن قلت ان احدنا لم يكن يحيا حتى مع ذاته التي هجرها هي الاخرى.. لم نكن نمعن النظر حتى في مستقبلنا ، بل لم يجرؤ احد على سؤال نفسه: لماذا أحيا؟ ولماذا ولدت؟ ومن أين جئت وإلى أين المصير؟!!
الكل يهيم على وجهه في طرقات ومنعطفات مضلّة لا يلوي على شيء.. كنا جميعاً نتطوّح في أزقة الحياة الغوغائية ولا نفكر في مأوى أو دار هنيئة.. كالمشردين والصعاليك والسائبين!
أجل كنا بالضبط كمشردي الحرب.. فعلى امتداد ثلاثة أشهر بلياليها وأيامها كان الصرب يندفعون صوب أبواب منازل الكوسوفيين الآمنين فيطلقون بضعة اطلاقات نارية في الهواء أو يلقون قنبلة يدوية مهددين أياهم بترك منازلهم ومغادرة أزقتهم ومحلاتهم وقراهم ومدنهم في مهلة لا تتجاوز السويعات العشر .. هذه المهلة التي إن لم ينتهزها الكوسوفيون ويغادروا خلالها مرابعهم يتعرضون عقبها إلى وضع أرواحهم وأعراضهم بين أنياب الأخطار المحدقة ، فضلاً عن التفريط بمنازلهم وممتلكاتهم.. وهم حينما يشردون في الآفاق.. في الوديان والجبال والفيافي ، ولا يعلمون ما الذي سيؤول إليه مصيرهم ، إلى أين يذهبون ، ولماذا يفرون؟ يزعم الصرب حينئذ بالقول لهم: إنكم أحرار!
في مثالي الآنف سبب الضياع والتشرد واضح ، وأن الدوافع وراء التشريد والترحيل القسري هي مادية بحتة ، رغم إنّ شعب كوسوفا لديه تطلعات معنوية ويتشكل من أسر دينية.. لكننا نحن الغربيين ضيّعنا غاياتنا وسبلنا وأخلاقنا وعقيدتنا ومعنوياتنا فأمسينا لا نجد لها أثراً.. ثم سمينا ذلك "حرية"!
سؤال : وهل تحسين الآن بالوحدة والعزلة؟