موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٩٨
الحياة العملية وبداية النواة الثقافيّة:
ومن هنا انطلقت بعد إنهاء دراستي إلى الحياة العمليّة إلى الوظيفة ، في مجتمع أشدّ ما يشجّعه هو الابتعاد عن الدين ، وقد أتيحت لي فرص لست أعلم حكمة اللّه فيها لغاية الآن، ولكن من خلال المواقع الحسّاسة التي عملت بها فقد كان المجال واسعاً أمامي للاختلاط بالأوساط السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة على أعلى المستويات ، فتارة أجد ميولي تتّجه نحو الأفكار الوطنيّة ، وتارة أنجذب نحو مختلف التيّارات القوميّة أو الماركسيّة ، فالليبراليّة.
أبحث هنا وهناك لعلّي أجد ضالّتي ، وكلّ هذا يحدث معي في تسارع قياسي وبترتيب عبثي ، حاولت من خلال ذلك كلّه البحث عمّا يروي ظمأً غريباً من نوعه.
كنت أعتقد أنّما هو فقط لذّة الشعور بالنجاح، وحصرت طموحي كلّه في هذا المجال، وكلّما تدرّجت في وظيفتي وأثبتّ وجودي وتميّزي الوظيفي انتقلت إلى وظيفة أفضل وطموح أكبر.
لكن أيضاً هذا الأمر لم يرضيني ، هنالك حلقة مفقودة بداخلي سببها عدم الرضا ، وابتعادي عن ديني ، كنت أعلم ذلك في قرارة نفسي ، كما يعلمه كلّ المنشغلين عن ربّهم وعباداتهم ولكنّهم يتغافلون، ويضلّلون أنفسهم فوق ما ضلّله إيّاهم سلفهم من قبلهم ومَن حولهم ، تنطبق عليه الآية الكريمة: {أُولئِكَ الذيْنَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبهِمِ وَسَمْعهِمِ وَأبْصَارِهِم وأُولئِكَ هُمُ الغَافِلُون}[١].
البحث عن الحقيقة:
كنت أحاول، وبقيت أحاول أن أصل إلى عين الحقيقة المنبعثة من إيماني المتجذّر بأنّ اللّه ما خلق هذا الكون ونظّمه ثمّ تركه بعد الرسل عبثاً، وإلاّ فإنّنا
[١] النحل (١٦) : ١٠٨ .